اتفقنـــــــــا

رفعت السعيد

نشر في: آخر تحديث:
في واحدة من أسرع المباحثات مع صندوق النقد الدولي تم الإعلان عن توصل مصر إلي اتفاق مبدئي معه تحصل بمقتضاه علي قرض بما يقرب من خمسة مليارات دولار.

وأيضا في واقعة تاريخية إذ لم تتم مناقشة برنامج الإصلاح مع الصندوق بالتفصيل الممل أو كما كان بالتعنت المعروف وربما تكون السياسة قد لعبت دورها بالدور المصري في غزه مما هيأ الظروف لحث الصندوق علي إبداء الموافقة المبدئية.

اتفقنا... ولكن هل هذا دعم أم فخ أم تلويح بالسمع والطاعة والا:

وليس هناك خلاف علي ما يعانيه الاقتصاد المصري من مشكلات متعددة ذات جانبين أولهما جاء نتيجة تراكمات لسنوات طويلة يحتاج علاجه إلي ثورة جذرية شاملة أكبر من مجرد الاتفاق مع الصندوق فما من ملف إلا ويحمل من المصاعب والمصائب الكثير وعلي سبيل المثال ملف الأمن والاستقرار والتعليم الذي تدهور وهو مستقبل الأمة وملف الصحة بما فيه من فساد ضاعت معه صحة الملايين من ابناء الوطن والزراعة التي ليست افضل حالا منهما, ويأتي التركيز علي تلك الملفات الثلاثة علي وجه الخصوص لأن لها أهميتها في قوة الوطن أو إضعافه وإلي جانبها عشرات الملفات الأخري المرتبطة بها, ومن الخطأ والخطورة معا أن ينسينا الاتفاق مع الصندوق عن فتحها وعلاجها أو يلهينا ما يحدث علي الأرض من انقسامات عن النظر إليها بثورية, ان الوقت لم يعد في صالحنا.

فهل نحن علي قدر المسئولية والتحدي أم سوف تستغرقنا الانقسامات لاسيما ان البلد اصبح مهيأ لذلك بعدما ضربت صنوف التمييز في دروبه ولم تعد مصر واحدة إنما متعددة وما أحوجنا الآن إلي الوحدة, ولدينا عشرات الأمثلة علي ذلك, ونسأل الله أن تظل مصر كيانا واحدا متجانسا.

أما الجانب الثاني لهذه المشكلات وهو ما جاء في دراسات عديدة وأشار إليه رئيس الوزراء أخيرا فهو يمثل أعراضا لتلك الملفات الملغومة من انخفاض النمو وزيادة البطالة ونقص الاستثمار وتدهور الاحتياطي لدي البنك المركزي وتفاقم العجز في ميزانية الدولة, وقد يعالج الاتفاق مع الصندوق بعض تلك الأعراض ولكن دون أن يدخل إلي صميم الملفات الملغومة فهذه هي مسئوليتنا التي علينا التصدي لها دون تأجيل أو تهاون.

ونحن هنا لا نقلل من أهمية أو ضرورة الاتفاق مع الصندوق ولكن الأهم هو وضع برنامج الثورة الإصلاحية الشاملة ومكاشفة الشعب بها وبالبرنامج الزمني لخطواتها والثمن الذي سوف نتحمله من أجل غد افضل تتم فيه التنمية والعدالة الاجتماعية معا وفي تصورنا أن تنفيذ مثل هذه البرامج يحتاج إلي قادة ورواد وثوار ولا شك أن بلدنا غنية بهم بشرط أن تكون اليد باليد بصرف النظر عمن يحكم, المهم سلامة نواياه تجاه الوطن وأبنائه وأن تتوفر لديه الحنكة القيادية والإرداة السياسية.

لانريد أن نكون كالأب الذي يمر بضائقة مالية ويريد تزويج إحدي بناته فيقوم باستبدال معاشه ثم يواجه أزمات بعد ذلك ويصبح يا مولاي كما خلقتني, هذه هي الحالة أو الوضع إذا ما تمت الإستكانة إلي الصندوق وخاصة بما تيسر لنا من اتفاق يبدو وشيكا وسريعا.

اتفقنا....

الوضع الآن باختصار شديد: غياب الاستقرار وغياب خطة أو توجهات اقتصادية واضحة مع إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار وعدم قدرة الحكومة علي اتخاذ خطوات إصلاحية حقيقية وعدم رغبة المجتمع الدولي في التعاون مع الحكومة.

ومن هنا علينا التركيز علي القضايا الأكثر إلحاحا وأن نسعي لتحقيق النمو الشامل للمجتمع والذي يعني من بين ما يعني ان يكون لصالح الفقراء وإيجاد وظائف منتجة لهم وتنويع الاقتصاد وتحديد هوية هذا الاقتصاد وإطلاق قدرات القطاع الخاص وطمأنته من خلال الشفافية وسلامة تنفيذ القوانين وحماية المستثمرين وتحفيزهم, وكذلك مواجهة التحديات الجغرافية لتحقيق العدالة في التنمية بين أبناء الوطن الواحد وتقليص الفوارق في التنمية بين المحافظات المختلفة.

لقد آن الأوان لوضع تصور يتفق عليه حول إستراتيجية للنمو.

اتفقنا؟ اعتقادنا أنه لا خلاف فما الذي يربكنا ويعطلنا ؟ وماذا ننتظر أكثر من ذلك ؟

نقلاً عن صحيفة "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.