تصحيح المسار

حسن نافعة

حسن نافعة

نشر في: آخر تحديث:
من المتوقع أن يتدفق ملايين المصريين اليوم على مختلف الميادين للتعبير عن احتجاجهم على ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد، وللتأكيد على تصميم شباب مصر على مواصلة ثورته التى انطلقت منذ عامين، دون أن تتمكن حتى الآن من تحقيق أى من أهدافها، والعمل على تصحيح مسارها وحراسة مسيرتها إلى أن تحقق أهدافها كاملة. وفى تقديرى أنه يمكن لهذا اليوم أن يصبح نقطة تحول حاسمة فى مسار الثورة وبداية مرحلة جديدة تنهى الصراع الدائر حالياً لصالح الثورة والثوار، إذا ما توافرت شروط ثلاثة: وضوح الأهداف، سلمية الوسائل المستخدمة، والقدرة على الاستفادة من أخطاء الماضى وعدم السماح بتكرارها.

وضوح الأهداف: يعنى التزام جميع المشاركين فى هذا اليوم، أيا كانت انتماءاتهم الحزبية أو الأيديولوجية، بالقواسم المشتركة والتخلى عن أسلوب المزايدة والطفولة الثورية. ولأن استكمال مسيرة الثورة يتطلب إزاحة بقايا النظام القديم، من ناحية، وبناء نظام جديد قادر على تحقيق أهدافها فى العيش والحرية والكرامة الإنسانية، فمن الطبيعى أن تتوحد الشعارات التى يتعين أن تُرفع فى الميادين اليوم حول حد أدنى من المطالب، أهمها: 1- إلغاء المحاكمات العسكرية والإفراج عن جميع المعتقلين من الثوار. 2- إصدار قانون للعدالة الانتقالية يصلح لمحاسبة كل من تسبب فى ارتكاب جرائم قتل أو تعذيب أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، سواء فى عهد النظام السابق أو بعد اندلاع الثورة، أو أساء استخدام السلطة والنفوذ لنهب المال العام وتحقيق ثراء غير مشروع. 3- تجميد العمل بالدستور الحالى إلى أن يتم تعديله بالطريقة التى تجمع عليها القوى السياسية الرئيسية عقب انتخاب مجلس النواب القادم. 4- تشكيل حكومة محايدة للإشراف على الانتخابات البرلمانية المقبلة وربما على انتخابات رئاسية مبكرة، إن اقتضى الأمر.

سلمية الوسائل: تعنى نبذ كل صور العنف، مهما كانت محدوديته حتى ولو أخذ شكل إلقاء الحجارة أو تسلق الأسوار، وأياً كانت ذريعته، حتى ولو أخذ شكل الدفاع المشروع عن النفس أو الرد على أعمال استفزازية أياً كان مصدرها. ويجب أن يكون واضحاً للجميع أن توافر إرادة سياسية متحدية ومصممة على استمرار الثورة وحماية مسيرتها إلى أن تحقق كامل أهدافها، هو السلاح الأمضى والأكثر قدرة على تحقيق النصر فى النهاية. أما اللجوء إلى العنف فغالباً ما يفتح ثغرة تتيح لقوى الثورة المضادة أن تنفذ منها وأن تنشط وأن تتزود بالوسائل التى تمكّنها من ضرب وتصفية الثورة والثوار.

ولن يكون بوسع القوى صاحبة المصلحة فى نجاح الثورة أن تستفيد من أخطاء الماضى إذا تعاملت مع هذا اليوم باعتباره مجرد وقفة احتجاجية تضاف إلى ما سبقها من وقفات، وعليها أن تنظر إليه باعتباره بداية لمرحلة جديدة وحاسمة من النضال فى مواجهة كل المحاولات الرامية لسرقة الثورة، ومن ثم يتعين ألا تتوقف أبدا إلى أن تتم الاستجابة إلى مطالب الثورة كاملة.

ويجمع كثيرون على أن الانصراف السريع للثوار من الميدان فور تنحى الرئيس المخلوع كان أحد أهم الأخطاء التى ارتكبت فى بداية المرحلة الانتقالية. لذا تتطلب اللحظة الراهنة التفكير جدياً فى الإقدام على خطوتين جسورتين، أظن أنهما أصبحتا على جانب كبير من الأهمية والحيوية.

الخطوة الأولى: اتخاذ إجراءات تكفل الإبقاء على حد أدنى من الحشد الشعبى فى الميدان بما يكفى لمواصلة نوع من الضغط القوى والمتواصل على النظام الحاكم. الخطوة الثانية: تشكيل قيادة ميدانية للثورة، تقتصر العضوية فيها على الشباب دون سن الأربعين مع الاستعانة بآخرين من أجيال سابقة كمستشارين وخبراء إذا اقتضى الأمر، وتكون مهمتها ليس فقط الإشراف على عمليات التعبئة والحشد وإنما أيضا التفاوض مع ممثلى النظام الحاكم حول شكل الخطوات التالية والجدول الزمنى اللازم لتنفيذها.

أظن أنه آن الأوان لبحث جاد عن آلية تسمح بنقل السلطة فى أقرب وقت ممكن إلى الشباب الذى أطلق هذه الثورة. ودون وجود مثل هذه الآلية، لا أمل البتة فى إنقاذ الثورة المصرية وتمكينها من تحقيق أهدافها. تحية من القلب إلى هذا الجيل الرائع من الشباب.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.