وأد بذور الفتنة

نشر في: آخر تحديث:

عندما بدأت القوي الوطنية في خوض انتخابات مجلس الشعب‏,‏ بدأ يظهر التأثير الكبير لتيارات الإسلام السياسي التي تحولت إلي أحزاب شرعية‏,‏ أو تسعي لأن تكون شرعية‏.‏

وعلي رأسها حزب الحرية والعدالة الذي أصبح الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين ويليه في القوة حزب النور السلفي في موازاة عدد آخر من الأحزاب السلفية التي لا تختلف في التوجه العقائدي, ولا تقلل من الواقع الذي أصبح فارضا نفسه, وهو أن الحضور العددي للأحزاب دينية التوجه أكثر بكثير من حضور الأحزاب مدنية التوجه. وللأسف, قامت الأحزاب التي تندرج تحت مسمي الإسلام إلي تديين معركة انتخابات مجلس الشعب, فأخذنا نسمع من غلاة مشايخ السلفية وعدد لا يستهان به من قياداتهم عن تكفير الليبراليين والاشتراكيين وغيرهم من المرشحين إلي الأحزاب المدنية. ولم يتخذ المجلس الأعلي للقوات المسلحة موقفا حازما من عمليات تديين المعركة الانتخابية واستغلال المساجد في هذه المعركة, وما صاحب ذلك من ارتفاع أصوات التمييز الديني بين المجموعات السلفية التي لا يزال عدد منها في وضع أقرب إلي السلفية الوهابية, خصوصا في النظر إلي المسيحيين والمرأة, فقد أعادوا إحياء كل أفكار التمييز ضد النصاري التي كتبها ابن تيمية في زمن تاريخي مختلف, وتحت شروط بعينها ما بين القرنين السابع والثامن الهجريين ولا محل لها في أيامنا, خصوصا في أمة لا تزال تتمسك بميراث ثورة 1919 ومفاهيم المواطنة التي هي من أهم أركان الدولة المدنية التي أعلن حزب الحرية والعدالة الإخواني تمسكه بها. وكانت نتيجة تديين انتخابات أول مجلس شعب بعد الثورة حصول الأحزاب الدينية علي أغلبية. فكان نواب الإخوان المسلمين الأكثر عددا, ويأتي بعدهم السلفيون الذين دخلوا في تحالف مع الإخوان, بينما كانت الأقلية لممثلي القوي الوطنية المدنية.


وكان التطرف السلفي واضحا في رفض بعض أعضائهم القيام أثناء أداء السلام الوطني, لأنهم لا يعترفون بالوطن الذي لا محل له من الإعراب بالقياس إلي الدين, ولأن السلام الوطني من المعازف المنهي عنها دينيا. وبقدر ما قام الإخوان بدور الاعتدال تاركين للأعضاء السلفيين دور التطرف, رغم أن الفارق بين هؤلاء وهؤلاء فارق كمي فحسب, فقد كان إلحاح السلفيين علي إشاعة التمييز في أمرين علي وجه الخصوص: الموقف من الأقباط والموقف من المرأة. أما الأقباط, فقد أثمرت إشاعة الأفكار السلفية عن احتقان لا يزال في حالة تصاعد, في حال نسي معها المتأثرون بالأفكار السلفية الوهابية الوحدة الوطنية التي جمعت بين المصري المسلم والمصري المسيحي, طوال أيام الثورة قبل سقوط مبارك, ناهيك عن دماء المسلمين والمسيحيين التي روت الشوارع والميادين المصرية لكي تقوم دولة مدنية.. مدنية. وكما تزايد حرق الكنائس والاعتداء عليها, تزايدت معدلات الاعتداء علي الأقباط, خصوصا في مناطق الصعيد التي يهيمن عليها الفكر السلفي الوهابي من خلال المساجد والزوايا. وقد وصل الأمر إلي حد حرمان أقباط بعض القري من الذهاب إلي لجان الاقتراع أثناء انتخابات الرئاسة, واستمر الأمر بعد انتخاب محمد مرسي رئيسا للجمهورية, ووصل الأمر إلي حد تهجير عدد من الأقباط قسرا في أحداث العامرية التي جرت في السابع والعشرين من يناير في العام الماضي (2012).

أما المرأة, فكان واضحا ترديد أفكار السلفيين أفكار ابن تيمية, ولذلك لم يكن من الغريب أن نسمع, مرة أخري, أن المرأة أحوج إلي الرعاية من الصبي, وأنها عورة وناقصة في مقابل كمال الرجل, وسترها واجب في النقاب. أما النساء فهن أعظم الناس إخبارا بالفواحش, وهن جند الشيطان, ونسمع كذلك أن عمر بن الخطاب نهي عن تعليم النساء, ومن هنا جاءت فتوي ابن تيمية: وإن أمكن أن يستغني عنها بالكلية بحيث ينال كمال العلوم من غيرها, وينال كمال التعليم بدونها كان هذا أفضل وأكمل. وأضف إلي ذلك ما أثر عنه من أن المرأة أسيرة للزوج, وهي كالمملوك له, وعلي المملوك والعبد الخدمة والطاعة. ولذلك يقول ابن عثيمين(1929-2001 م) الفقيه السعودي السلفي المتبع لمذهب ابن تيمية: اشتهر عند بعض الناس إطلاق اسم السيدة علي المرأة... وهذا قلب للحقائق لأن السادة هم الرجال. قال تعالي: وألفيا سيدها لدي الباب, وقال: الرجال قوامون علي النساء.. وقال صلي الله عليه وسلم: النساء عوان عندكم أي بمنزلة الأسير, وقال الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته فالصواب أن يقال للواحدة امرأة, وللجماعة منهن نساء. ويعني ذلك أن الرجال هم السادة والنساء إنما هن بمنزلة الأسيرات والعبيد, فوصف النساء بأنهن سيدات إنما هو قلب للحقائق( انظر رائد السنهوري: نقد الخطاب السلفي, ابن تيمية نموذجا). ولا يختلف ما ذهب إليه ابن عثيمين كثيرا عن ما ذهب إليه أستاذه ابن باز (1912-1999) مفتي السعودية الأسبق حين قال: ولاختلاط المرأة مع الرجل في العمل تأثير كبير في انحطاط الأمة وفساد مجتمعها... لأن المعروف تاريخيا من الحضارات القديمة الرومانية واليونانية ونحوهما أن من أعظم أسباب الانحطاط والانهيار الواقع بها هو خروج المرأة من ميدانها الخاص إلي ميدان الرجال ومزاحمتهم, مما أدي إلي فساد أخلاق الرجال وتركهم لما يدفع بأمتهم إلي الرقي المادي والمعنوي. وانشغال المرأة خارج البيت يؤدي إلي بطالة الرجل, وخسران الأمة انسجام الأسرة, وانهيار صرحها, وفساد أخلاق الأولاد, ويؤدي إلي الوقوع في مخالفة ما أخبر الله به في كتابه من قوامة الرجل علي المرأة.( رسالة في مسألة الحجاب والسفور).

لقد أصبحت هذه الأفكار ومثيلاتها ذائعة ومشهورة بفضل التحالف الإخواني- السلفي. ولقد كان وصول الدكتور محمد مرسي إلي كرسي الرئاسة في الرابع والعشرين من يونيو2012 قوة دافعة للفكر السلفي الذي أصبح الحليف السياسي للإخوان المسلمين الذين تحالفوا مع السلفيين ليكونوا الأغلبية الحاكمة في مجلس الشعب الذي بدأ عمله في الثالث والعشرين من يناير2012 م بعد مرور عام علي انحراف الثورة عن مسارها. وتولي مجلس الشعب دور التشريع بما يبدو تمهيدا لتأسيس دولة دينية, في وطن عرف تحرر المرأة منذ المظاهرة الأولي التي قادتها هدي شعراوي في مارس1919, حين انفجرت الثورة التي لا تزال يتردد صداها بشعار الدين لله والوطن للجميع. وهو الشعار الذي جسدته وحدة الشباب المسيحي والمسلم, في الميدان قبل أن يسعي دعاة الدولة الدينية من السلفية الوهابية, وحتي من الإخوان, بزرع بذور الفتنة بين جناحي الأمة, استمرارا لما كانوا يشيعونه من أفكار في زمن السادات ومبارك.

* نقلا عن "الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.