بقع في المشهد المصري

د. خالد سعيد

نشر في: آخر تحديث:

لا شك عندى أن كل ما يجرى فى المشهد المصرى اليوم هو الحلقة قبل الأخيرة من حلقات الثورة المضادة التى تقودها دولة نظام مبارك العميقة، بل لا أبالغ إذا ما قلت إنها قد تكون الأخطر و"الأبهظ" تكلفة خاصة إذا كان الثمن من دماء أبناء مصر وعلى حساب مستقبل أجيالها القادمة.

الإنقاذ والبلطجية والإخوان والنور والفلول والشرطة والألتراس وأصحاب المبادرات وحزب الكنبة؛ كلهم يشتركون فى رسم خريطة الواقع ومحاولة تحديد مشهد النهاية فيه، لكنه من الواضح أن الأمر لن يكون بهذه السهولة فلن تستطيع قوة من تلكم القوى أن تتفرد برسم مسارات الواقع ولا حسم نتيجة لصالحها، حتى إن بدا أن القوى المعارضة ومن تحالف معها صارت قريبة من حسم الموقف بعد توفر الدعم المادى لها، والتخطيط وبعض المجموعات على الأرض وكذلك بعدما استيقن غالبية المتابعين من تراجع وتردد مؤسسة الرئاسة ومن يدور فى فلكها أو تدور هى فى فلكه فى مواجهة تحركات الإنقاذ الفاعلة.

وفى ظنى أن المشهد تحكمه عوامل من داخله ومن خارجه لم يتم التطرق إليها كثيراً، فالمتابع لما يجرى فى تونس، باعتبارها مفتاح المغرب العربى اليوم، من تحركات القوى العلمانية الموالية للغرب ضد حكومة النهضة يكاد أن يرى تطابقاً بين ما يجرى هناك، وما يجرى هنا وفى تقديرى أن هذا ليس من قبيل المصادفة ولا تشابه المعطيات بقدر ما هو وحدة الفاعل والمحرك.

ويغلب على ظنى أن الهيمنة الأمريكية ليست حريصة فى هذه المرحلة على إسقاط تجربة الإخوان فى مصر بقدر حرصها على ابتزازها لأبعد مدى ممكن عن طريق إدارة الفوضى على الأرض، وذلك لأن وجودها بما لها من بعد إسلامى قد يكفل نسبة من الاستقرار فى الحالة الإسلامية والتى قد تنفجر إذا ما سقط النظام الإخوانى مهما كانت درجة عدم الرضا عنه باعتبار مرجعيته الإسلامية، إلا أن هذا لا يعنى عدم إمكانية انفلات الأمور من عقالها وانفجارها فى اتجاهات غير محسوبة.

وفى نفس السياق قفز حزب النور من السفينة المتأرجحة والتى طالما تعلق بها ومضى فى ركابها خلال عامين من عمر مصر الثورة، اللهم إلا فى بعض المحطات الغائمة كانتخابات الرئاسة وما تخللها من لقاءات وتفاوضات مع الفريق شفيق، وقد تعجل حزب النور فلم يسبك جيداً سيناريو القفزة هذه المرة ربما لتسارع الأحداث وخطورة الموقف وربما لإثبات اعتداله للقوى العلمانية أو طرح نفسه كبديل محتمل فى حال السقوط الإخوانى والذى سيعنى سقوط الدولة كدولة من وجهة نظرى وتأخر المشروع الإسلامى فى المنطقة بأسرها وليس فى مصر فحسب.

وفى الوقت نفسه وجدت قوى النظام البائد الكامنة فى مفاصل الدولة العميقة التسعة فرصتها الذهبية لتطل برأسها لامتلاكها ماكينة الإعلام وخزينة الأموال وسيطرتها على عصابات الإجرام وميليشيات البلطجية التابعة للحزب الوطنى المنحل وأمن الدولة المعدل، تحركت الخلايا النائمة والخائفة حيناً من الدهر فى وزارة الداخلية لتعاود السيطرة على الأوضاع فى ظل حالة التذمر الشعبى والغفلة عن تلكم التحركات، بدليل أن الإضرابات والاعتصامات لم تحدث فى قطاع الأمن الوطنى الذى يعمل ليلاً ونهاراً والذى بدأ بالفعل فى عمل بعض المداهمات والذى يسب ضباطه الرئيس مرسى والإخوان والإسلاميين عامة بأقذر الألفاظ فى تحقيقات خلية مدينة نصر المزعومة، بل والثورة ومن قاموا بها والتهديد لكل من شارك فيها، ولو كانت احتجاجات الداخلية هذه حركة من التذمر العام فى صفوفها لشملت هذا القطاع الذى ما زال طامحاً فى العودة لسلطته القديمة فى استذلال المصريين واستخفافهم وهيهات.

وأخيراً، فقد نسى الجميع الكتلة السائلة الهادرة من أبناء التيار الإسلامى والتى لم تتحرك بعد كما لم تقنع تحركات حزب النور، إلا هامشاً محدوداً منهم بأن مصلحتهم هى فى سقوط الإخوان، تلكم الكتلة التى ما زالت تتململ فى مكانها وتكاد أن تنفجر سيلاً عارماً لا يمنعه حتى الآن إلا بعض السدود فى أدنى مصب السيل وبعض التردد الذى ورثته من عهود سابقة وربما ترقب ساعة الصفر لتذود عن حاضرها ومستقبلها المأمول وربما كى لا تعود أبداً إلى ماضيها الأليم.

*نقلاً عن "اليوم السابع"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.