السماء السابعة!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

فى الكتب السماوية كانت السماء السابعة هى نهاية الزمان والمكان، حيث لا يوجد بعدها إلا سدرة المنتهى التى جرى فيها الإسراء والمعراج فى معجزة من معجزات الخالق، التى تم فيها اختراق كواكب وأقمار ونجوم ومجرات وأكوان وأفلاك وسنوات ضوئية ليس لها عدد ولا حصر، على الأقل حسب قدرة الإنسان على الحساب والمعرفة، وأخشى ما أخشاه أن بعضاً من هذا البعد اللامتناهى يجرى بيننا وبين العالم، حيث وقفنا فى مكاننا معتصمين فى ميدان التحرير أو متظاهرين على هضبة المقطم أو متقاتلين عند قصر الاتحادية أو منفجرين بالعنف فى شوارع الإسكندرية وبورسعيد والمنصورة والمحلة وغيرها من حضر وريف امتد حتى سوهاج فى صعيد مصر،

وبينما يجرى كل ذلك كانت بقية مصر تضرب كفاً بكف حسرة وحزناً، وأحياناً غضباً وسخطاً على ما آلت إليه الأيام، فلا نهضة حدثت أو كانت فى طريقها إلى الحدوث، ولا صارت مصر قوية أو باتت فى طريقها إلى قوة من نوع أو آخر، ولا حدث تغيير فى حياة أهل مصر «الطيبين» كما اعتاد الساسة على القول. راح الجميع يراقب التدهور من حال إلى حال، من شارك فى الثورة ومن عزف عنها، من كانت لديه ثقة بأن فجراً أشرق، ومن ظن أن الغروب فتح الباب إلى ظلمة طويلة؛ الكل يعلم أن البلاد تقف فى مكانها، أو تجرى إلى الخلف، وهى حقيقة مرة مهما اختلفنا على من كان صاحب القدر الأكبر من المسؤولية عنها.

القضية التى لم يعد يتنبه لها أحد هى أن العالم لم يعد على استعداد لانتظارنا؛ وحتى من أشفقوا علينا وراحوا يعددون مآثرنا القديمة كان هناك دوماً ما يشغلهم، وقصتنا مع قرض الصندوق الممثلة لحالة من الدوخة القومية برهان على الحالة المأساوية، وأذكر أنه أثناء النظام البائد كانت تُذكر أرقام كثيرة عن معدلات النمو الاقتصادى والصناعى، وتنامى الاحتياطيات القومية، والمدن التى تقام، والسياحة التى تزدهر؛ كان الأمر كله يوضع فى نصابه فوراً بالمقارنة بين ما حققته مصر وما أنجزته دول أخرى كانت مثلها حتى وقت قريب، وكانت الشقة تبدو مروعة. الآن كيف يكون الأمر، وكيف تُقاس المسافة بعد تصاعد سرعات التقدم والإصلاح والابتكار والإبداع، بعد أن توقفنا حتى عما كنا عليه وكان موضوعاً لثورة، وبعد أن ضاعف العالم من حركته وتقدمه. فى الماضى كانت الأمية تقاس بمن لم يحصلوا على التعليم الأساسى «قراءة وكتابة وحساب» فى السن التعليمية؛ وبعد اختراع الحاسب الآلى أضيفت إجادته إلى القائمة، فالأمية الإلكترونية لا تقل أذى عن الأمية التى سبقتها، بل هى أشد هولاً،

لأن معناها ألا يجد شاب «متعلم» مكاناً فى سوق العمل. الآن كما قرأت لم يعد ذلك كافياً، فبعد مقاومة شديدة من رجال التعليم لدخول الحواسب الإلكترونية والآلات الحاسبة إلى مقاعد الدراسة حتى يتعلم الطالب أولاً كيف يكتب ويقرأ ويحسب، وثانيا حتى لا يتعلم التكاسل الذهنى، ويعتمد على الآلات؛ بعد ذلك كله تدفقت مدارس أمريكية على قبول استخدام الطلاب كل أدوات الإلكترونيات الحديثة وتطبيقاتها، لأنه ثبت أنها تحرك كل ملكات الإبداع والمعرفة لدى الطلاب. الفكرة قديمة نوعاً، وقرأت عنها عندما اجتمع الرئيس الأمريكى باراك أوباما مع ستيف جوبز- مؤسس شركة أبل للكمبيوتر

- لكى يتعلم منه (فى الولايات المتحدة يجتمع الرئيس الأمريكى بشكل منتظم مع المؤرخين، والعلماء، ورؤساء الشركات الكبرى). كان رأى جوبز أن التعليم الأمريكى متخلف يحتاج إلى قفزة كبرى بأن يكون «ممتعاً» للطلاب بحيث تكون أوقات الدراسة أحد عشر شهراً بدلاً من ثمانية فى الوقت الحالى، وتكون المتعة ممكنة بالاستخدام الخلاق للوح أردواز العصر المسمى آى باد iPad التى يدخل لها المعلم بكل أساليب الصور المتحركة والأصوات لشرح كل ما غمض وما هو غير معلوم. كانت الرسالة أنه يمكن مضاعفة أحجام المعرفة التى يعرفها الطلاب، والأهم تحسين قدراتهم على الابتكار والإبداع، ووضع الحلول لمشكلات المجتمع والعالم.

بدأت التجربة ولن تمر إلا سنوات قليلة إلا وسنجد دولاً وأقطاراً وأمماً تتبناها، وتعالوا ساعتها نقارن بين الطالب المصرى والآخر الأجنبى من حيث المعرفة والقدرة. لا أدرى هل جرت مناقشة هذه القضية بين المعتصمين فى ميدان التحرير، أو خصص لها وقت فى اجتماعات مجلس الإرشاد، أو جبهة الإنقاذ الوطنى، أو وجد لها مجلس الوزراء وقتاً. لا أظن أن الموضوع خطر ببال أو طرق باب فؤاد، وربما خشينا أن كثيراً من المعرفة ربما يكون مضراً ويحملنا ما لا طاقة لنا به.

تعالوا نتخيل ما جرى مؤخراً فى المملكة المتحدة بعد أن اشتدت الحالة المعرفية بالفتى «نيك دالاسيو»- ١٧ عاماً- الذى بدأ فى وضع تطبيقات للكمبيوتر، وهو فى سن الثانية عشرة، وفى سن الخامسة عشرة كان هناك مستثمرون على استعداد لتمويل واحد من تطبيقاته الواعدة، وهى تلخيص الكتب الكبرى، ووضعها فى صورة يمكن عرضها وقراءتها على التليفونات «الذكية». بعد عامين ولد «ساملى Summly» التطبيق الذى كانت شركة «ياهو» على استعداد لشرائه ببضع عشرات من ملايين الدولارات،

وتم تعيين الفتى فى وظيفة مرموقة. المهم هنا ليس الاختراع ذاته، فهناك مئات مثله تظهر كل يوم، ولا صغر سن المخترع والمبتكر، وما حصل عليه من مال وفير فهذه كانت قصة آلاف من المبتكرين، وإنما المدهش حقاً هو تلك السهولة التى يجد فيها فتى من يكتشفه ويموله ويدفعه إلى الصدارة وسط عملية تنافسية واسعة. هذه كانت الثورة الحقيقية، التى أخرجت دولاً وأمماً من الفقر والتخلف إلى الغنى والتقدم؛ هل سمعت على سبيل المثال ما الذى تفعله مجموعة دول «البريك» التى تضم البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا وروسيا، وما تسعى إليه من إنشاء بنك عالمى للتنمية يمول من يسعى، ومن يعمل ومن يبتكر ويبدع، وهل سمعت عن العمليات الجراحية الدقيقة اقتصادياً واجتماعياً، التى تجرى فى دول انفلتت أحوالها فجاءها من يعيدها إلى الطريق القويم مثل اليونان والآن قبرص.

فى العالم كله تجرى ثورة من نوع آخر غير تلك التى نعرفها، الأساس فيها هو الانضباط والمسؤولية، التى تقودها مؤسسات ديمقراطية تعرف كيف تواجه المشكلات وتعبر الصعاب، وتزدهر فيها التكنولوجيا التى تنفخ الآمال فى كل الأنشطة الإنسانية من أول البحث عن مصادر جديدة للطاقة حتى الوصول إلى تحقيق الأمن للبشر والحجر، وفوق ذلك كله أن تتاح لملكات الإنسان وقدراته أن تثمر، بينما يستمتع بالحياة. فى العالم وليس فى السماء السابعة توجد ثورات حقيقية لا تنتمى فى الكثير أو القليل للعواصف الكلامية ولغو الحديث والكلمات. ما رأيكم دام فضلكم أن ندعو إلى ثورة من نوع آخر يكون فيها العمل والإنتاج والخير هو أول الموضوع وآخره

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.