استيراد معارك «شيعة وسنة».. وفن صناعة الأعداء

أكرم القصاص

نشر في: آخر تحديث:

هناك قصة معروفة لوزير ذهب للملك وقال له: «مولاى لقد قتلنا وحرقنا ودمرنا منازل أعدائك فى الشرق.. فقال الملك مندهشا: لكن ليس لنا أعداء فى الشرق». فرد الوزير: الآن أصبح لك أعداء يا مولاى. القصة تشير إلى فن صناعة الأعداء واختراع معارك. بينما السياسة هى فى الأول والآخر فن إدارة المصالح. فالسياسة لا تعرف صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، لكنها تعرف مصالح دائمة.

نقول هذا بمناسبة حالة من الحمى انتابت بعض السياسيين فى الأحزاب السياسية ذات المرجعيات الدينية، من إخوان وسلفيين، وصنعوا معارك من لا شىء، حول الدعاية الدينية فى الانتخابات من جهة، واختراع معارك ضد التشيع غير الموجود فى مصر أساسا.
رأينا كيف انتفض السلفيون والجبهة السلفية مع إعلان وزير السياحة عن الاتفاق مع إيران على تبادل الأفواج السياحية، واستقبال الإيرانيين للسياحة الدينية وزيارة مساجد أولياء الله. الجبهة السلفية فى لقائها بالرئيس مرسى ركزت على خطر التشيع والتحذير منه، وبعض السلفيين يعلن أن الشيعة أخطر على البلد من الاحتلال.

اللافت للنظر أن صراع السنة والشيعة ليس من القضايا المطروحة فى مصر، والمصريون حلوا القضية من الأساس، عندما التزموا مذهبا سنيا وسطيا، يحترم آل البيت، ولم يتورطوا فى صراعات مذهبية، بفضل التعددية الإسلامية التى وضعها الأزهر طوال قرون. فى وقت كانت فيه المعارك المذهبية موجودة فى دول أخرى، فى العراق وبعض الدول العربية، وهى صراعات غذاها الاحتلال الأمريكى ومن قبله الاستعمار البريطانى والفرنسى الذى حرص على تغذية النعرات المذهبية والعرقية، حتى تسهل له السيطرة، وبالرغم من أن العرب والمسلمين كانوا دائما ما يعرفون أن الاستعمار يعمل بنطرية «فرق تسد»، لكن كلما فرقهم الاستعمار كانوا يتفرقون. وفى مصر لم تكن هناك قضية مذهبية، وبالتالى فإن الإسلاميين الذين يبالغون فى الخوف من نشر التشيع فى مصر، بينما هم فى الواقع يستوردون صراعا غير موجود فى مصر، فضلا على أنهم بالرغم من كونهم يشاهدون مشكلات اقتصادية واجتماعية وبطالة وفقر ومرض، لا تلفت أنظارهم ويفضلون الخوض فى صراع مستورد وليس له ظل من الواقع. ثم إنهم هم أنفسهم لا يمكن اعتبارهم ممثلين للإسلام، بل هم يقدمون نماذج مستوردة غريبة نمت وترعرعت فى دول أخرى، بعضها له ظروف جغرافية وعرقية تختلف عن ظروفنا.


وبالتالى فإن قضية الشيعة والتشيع ليس لها مكان فى مصر، وبالتالى يمكن التعامل مع إيران من واقع المصالح السياسية والاقتصادية، بعيدا عن المعارك التى لا ظل لها، بينما لم يلتفت السادة المرعوبون إلى أخطاء التجربة الإيرانية فى الاحتكار السياسى، وسيطرة حكم الملالى وطبقة رجال الدين وحرمان الشعب من المشاركة. وهى أمور نرى بعض هؤلاء الذين يحذرون من خطر مذهبى غير موجود، يدفعون نحو نموذج مشابه لها بتبنى الدعاية الدينية، والزعم بأفضلية مذهب سلفى يتبنونه بالرغم من كونه يختلف عن طريق الأزهر الوسطى.


والأفضل للسادة المرعوبين أن يركزوا على قضايا تتفجر فى مصر وتمثل أخطارا اقتصادية واجتماعية، بدلا من استيراد معارك وصناعة أعداء من الوهم.

نقلا عن "اليوم السابع".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.