عاجل

البث المباشر

جمال سلطان

كاتب ومفكر إسلامي مصري

كاتب ومفكر إسلامي مصري

حذارِ من اللعب فى هذا المكان!!

بعض المغامرين الجدد يبدو أنهم يستسهلون اللعب بالنار، رعونة وغرورًا، دون أن يدركوا أن أعواد الثقاب الصغيرة التي يلهون بها الآن قد لا تحرق أصابعهم فقط، بل قد تحرق الأخضر واليابس في الوطن كله، هناك حالة من التحرش الواضح بالقوات المسلحة خلال الأسابيع الأخيرة، هناك شيء ما يستشعره كثيرون يشي بالخطر والقلق والغموض، رغم الكلام العاطفي والجميل الذي يتطوع بإذاعته بعض "الوجهاء" الذين هم ـ مع الأسف ـ من معازيم الفرح وليسوا من أي من أطراف المسألة، أول أمس نشرت إحدى الصحف البريطانية الكبرى بعض نصوص ما عرف بلجنة تقصي الحقائق في أحداث الثورة التي كان قد شكلها الرئيس محمد مرسي، وقالت إن تلك النصوص توجه الاتهام للقوات المسلحة بالتورط في العنف ضد الشعب والثوار، الصحيفة البريطانية قامت بنشر صورة ضوئية للوثيقة بالأوراق الرسمية للدولة التي طبعت عليها، أي أنه لم يمل عليها أحدهم النصوص أو الكلام مثلًا، وإنما سلمها نسخة من التقرير الرسمي، والذي يفترض أنه تقرير سري وتم رفعه إلى رئيس الجمهورية شخصيًا، فمن الذي سلم هذه النسخة إلى الصحيفة البريطانية، وخاصة الأجزاء التي تزعم تورط الجيش في العنف ضد الشعب، لكي تبدأ حملة تشويه للقوات المسلحة وادعاء أنها كانت متواطئة ضد الثورة وتحمي مبارك، أستغرب جدًا أن تصمت المؤسسات الرفيعة المعنية بهذا التسريب عن التعليق، فضلًا عن امتناعها عن إدانة هذا العمل الشائن، ورغم أن النصوص المنشورة لا تدين القوات المسلحة أبدًا وإنما هي كلام مرسل من مثل "نما إلى علمي كذا.."، لكن هذا ليس هو بيت القصيد كما يقولون، وإنما السؤال الجوهري هو: من الذي سرب هذه الوثيقة الرسمية المفترض أنها بحوزة رئاسة الجمهورية إلى صحيفة بريطانية، بصورة نسختها الأصلية؟ أعتقد أننا هنا أمام مغامرة خطرة، خاصة عندما نسمع بعض الأصوات الصاخبة المقربة من السلطة وهي تتحرش بالقوات المسلحة يوميًا تقريبًا بتهديدات وإهانات علنية في تصريحات عبر مختلف المنابر الإعلامية والسياسية، دون أن تبادر رئاسة الجمهورية بإدانة هذا السلوك حماية لكرامة تلك المؤسسة الوطنية الحساسة، بما يشي بأن هناك شيئًا ما بين الغمام.

القوات المسلحة هي جزء من الثورة، وإن جاءت متأخرة فقد جاء غيرها متأخرًا أيضًا، وإن أخطأت في إدارة المرحلة الانتقالية فقد أخطأ غيرها مثلها وربما أكثر منها، وسوف يكتب التاريخ بأحرف من نور موقف القوات المسلحة المصرية المشرف تجاه ثورة الشعب الجسورة في يناير 2011، وكان موقفها العقلاني والحكيم والوطني الذي حسم الأمور في النهاية لصالح الشعب بدون حمامات دم وبدون إدخال الوطن في دوامات الانهيار والضياع، كان ذلك الموقف مثار إبهار للعالم كله، وأعاد الاحترام والهيبة للجيش المصري كجيش حضاري محترف حريص على دماء شعبه أكثر من حرصه على السلطة والنفوذ.

أرجو أن تتضافر جهود كل المخلصين في مصر من أجل حماية استقلالية وحرمة هذا الجيش العظيم، وأن يحرص الجميع على حمايته من الاستقطاب السياسي والحزبي، وأن تُقطع أي يد تمتد إلى تلك المؤسسة الوطنية بسوء، أو تحاول الهيمنة عليها وتحويلها إلى أداة في يد حزب وليست درعًا في يد الوطن كل الوطن، ولقد علمتنا خبرات التاريخ المعاصر أن الحزب الذي يبحث عن اختراق الجيش والتحكم في قيادته إنما يدشن أول وأهم خطوة في مشروع للديكتاتورية والاستبداد، وإن صلى وصام وكتب شعرًا في الديمقراطية، لا بد من الفصل الكامل، بين المدني والعسكري ونحن نبني دولتنا الحديثة، وإذا كنا نعارض من يحاولون استدعاء الجيش للحكم من جديد، فإننا بنفس القوة والصرامة نحذر هؤلاء الذين يحاولون التمهيد بالقصف السياسي والإعلامي المركز لاختراق الجيش وإعادة هيكلته أو السيطرة عليه بما يخدم مصالح حزبية، ارفعوا أيديكم عن مؤسستنا العسكرية، وعلى المغامرين الجدد أن يلعبوا في أي مكان آخر غير هذا المكان، لأن اللعب فيه ليس كاللعب في أي مؤسسة أخرى، والخطأ فيه لا يكون حسابه بالقطعة.

*نقلاً عن "المصريون"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة