ابتسامة خلف القضبان‏!

سمير الشحات

نشر في: آخر تحديث:

أغلب الظن‏,‏ ومن الظنون ما يصدق أحيانا‏,‏ أن الرئيس السابق حسني مبارك ابتسم‏

, وهم يقودونه إلي إعادة المحاكمة داخل القفص لأربعة أسباب.. وربما خمسة!
هو ابتسم ـ ولوح لمريديه الذين هتفوا له بنحبك يا ريس ـ لإحساسه بالفرحة, وهذا شعور إنساني بحت, سيشعر به أي إنسان في موقفه هذا, إنه ـ وهو المسجون العجوز الضعيف ـ مازال يجد من يهتف باسمه, فكان لابد أن يبتسم, فابتسم هذا أولا.


وثانيا: أن الابتسامة ربما كانت ابتسامة سخرية مبطنة, دفعه إليها عقله الباطن, إذ الأمر كله مضحك. كل يوم محاكمة تنتهي إلي لاشيء, وكأننا في مسرح اللامعقول نشاهد ملهاة عبثية. قاض يأتي وآخر يذهب, قاض يحكم فيتم نقض ما حكم به, والآخر يتنحي. أمر يثير الضحك.. أليس كذلك؟


.. نيابة تطعن وأخري تؤكد أن لديها أدلة ثبوت جديدة تملأ007 صفحة, وفي النهاية لا نتيجة. مصاريف علي الفاضي, وتضييع للوقت, وطائرة تروح, وأخري تجيء والرجل يبتسم!


وثالثا: أن الرجل ـ وقد كان رئيسا تهتز تحت قدميه الدنيا( دنيا المصريين!) يجد نفسه الآن وقد أصبح فرجة للدنيا( دنيا الآخرين!) هي إذن ابتسامة تعجب من حال الدنيا, لكنها أيضا ابتسامة الدهشة, التي تحمل في طياتها سؤالا حير الرجل طويلا: ماذا فعلت كي تحاكمونني؟ قتلت أطفالكم يوم الثورة, طيب أليس قتل الأطفال مازال مستمرا؟ هل توقف القتل والاغتصاب والسحل وتبادل الإهانات؟ علام إذن تلومونني؟


.. قمتم بثورتكم؟ عظيم.. فماذا جنيتم, سوي الفوضي والانفلات وقلة القيمة؟ تقولون: انكم ثرتم لأنني جوعتكم؟ جميل.. ومتي كنتم شبعانين؟ وهل شبعتم الآن أم ازددتم فوق جوعكم جوعا؟02% كانوا في عهدي تحت خط الفقر؟ الآن أصبحوا04% فما الجديد؟ ومن ثم ابتسم الرجل!
ويواصل المبتسم ديالوجه الداخلي, وسيسأل نفسه: طردتموني لأنني كنت سأورث ابني مكاني.. فمن فيكم لم يورث ابنه في مكان عمله, أو يفكر في ذلك؟ تقولون إنني كنت لصا, وسلطت عليكم عصابتي, تسرق أراضيكم ومؤسساتكم وشركاتكم.. فهل توقفت الآن لعبة استلابكم أم أنها علي قدم وساق لاتزال؟


طيب وما قولكم ـ دام فضلكم ـ في أن02% منكم يعيشون الآن في غرفة واحدة بينما تتجه خطط الإسكان كلها إلي إسكان الفاخرين منكم؟ قد تتهمونني أيضا بأنني جعلتكم فريسة لأجهزة الأمن تبث في نفوسكم الرعب, فهل توقف رعبكم أم صرتم تقتلون بعضكم بعضا في وضح النهار؟ فكر القابع خلف القضبان, وكان لابد أن يبتسم.. فابتسم!


ورابعا: ربما ابتسم الرجل لأنه شامت فينا, هذا وارد جدا. انه حتما يهمس لنفسه: أنا حكمتكم ثلاثين سنة, وأحفظكم عن ظهر قلب, بمجرد أن ينفلت عقالكم تأكلون بعضكم بعضا.. وها أنتم تفعلون. الا تفعلون؟ ألا يتبجح صغاركم في كبارهم بمنتهي قلة الأدب؟ ألم يتجبر عليكم السفهاء وقطاع الطرق وأصحاب الميكروباصات والتكاتك والشبيحة الجائلون؟ وهكذا تذكر الرجل أصحاب التكاتك المساكين وابتسم!


وقد تكون ابتسامة الرجل ـ خامسا ـ لأنه تنبأ فصدقت نبوءته. كان قد قال لهم أنا أو الفوضي, وها هي الفوضي تدب في كل مكان. فمن صنع الفوضي إذن يا من حكمتنا لثلاثة عقود؟


الإجابة ليست مهمة؟ ولا يعنيه من هم ابناء الطرف الثالث, وليست مشكلة من الذي يمول البلطجية في كل مكان, كما لا يتوقف الرجل كثيرا عند الألفاظ المجعلصة, كاصطلاح الدولة العميقة مثلا. لا, إن هذه كلها مجرد تفاصيل. المهم في الأمر أن الفوضي سادت, فعربدت واستبدت, لتتحقق النبوءة, ومن ثم كان من الضروري أن يبتسم, ولسان حاله يكاد ينطق: تركت فيكم فسادا لن تزيله من داخلكم مياه المحيطات!

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.