الكراهية المقدسة

باسم يوسف

نشر في: آخر تحديث:

بعد الثورة مباشرة كان هناك اتجاه عام للتصالح بين فئات الشعب المختلفة، فالمشهد الرائع الذى شاهده الجميع فى ميدان التحرير دعا الجميع لمراجعة مواقفهم من بعضهم البعض. كان أمل الكثير ان نتوحد جميعا تحت راية الوطن بدون تفرقة بسبب دين او جنس او لون. ذكرى تفجير كنيسة القديسين اصبحت بعيدة. فلا داعى للخوف والتوجس من الشباب السلفى الرائع الذى وقف جنبا إلى جنب مع الليبراليين واليساريين وبقية المسلمين والمسيحيين.

ولكن للاسف ما هى الا أسابيع قليلة حتى عاد الخوف والتوجس مرة اخرى. فبدلا من ان يستغل شيوخ الفضائيات سطوتهم ونفوذهم ليقربوا بين الناس ويوظفوا الدين فى هدفه السامى الذى أنزلت من أجله الاديان وهو افشاء المحبة بين الناس، بدلا من ذلك استمروا فى نشر الفتاوى التى بسببها دفع شباب السلفيين الثمن فى صورة سخرية المجتمع ونفوره منهم.

فعند اول اختبار سقط هؤلاء الشيوخ سقوطا مدويا وحدث ذلك بسبب منطقة حساسة جدا الا وهى علاقتنا كمسلمين مع نصفنا الآخر او كما تسميه وسائل الاعلام شركاؤنا فى الوطن. فهناك طبعا الفتاوى الشهيرة بحرمانية التهنئة بأعيادهم، وعدم الاحتفال بها. الحقيقة لم تأت هذه الفتاوى كمفاجأة فنحن نشاهد ونسمع هذه الفتاوى على مدى سنوات. لكن المحزن هو اننا توقعنا بعد الثورة ان الامور ستتغير. توقعنا انه بعد توقف التعقب الامنى والاضطهاد لبعض الشباب الملتزم دينيا سيفيق هؤلاء الشيوخ ويبدأون فى تغيير خطابهم الدينى ويسعون إلى تقريب وجهات النظر ولكنهم للاسف تمادوا وتوحشوا وعمقوا شرخ الكراهية بين الناس. ففى الماضى رأينا أحد الشيوخ المشهورين فى مقطع انتشر على اليوتيوب يجرم ويؤثم من احتفل بشم النسيم، ومن خرج للتنزه ومن تعامل مع الاقباط ومن اشترى وباع البيض وأكل الفسيخ والرنجة، وكان ناقص يحرم علينا الاستيقاظ بل والعيشة فى هذا اليوم. كان هذا قبل الثورة. اما الآن فاستمرت هذه الفتاوى حتى اصبح من طقوس الاحتفال بشم النسيم إلى جانب البيض والفسيخ أن يسأل الناس السؤال السنوى: «هاه يا شيخ؟حلال ولا حرام؟».

حتى جماعة الاخوان التى تدعى الوسطية سقطوا فى الاختبار فقد رأينا الدكتور مرسى والدكتور الكتاتنى فى العام الماضى يزوران الكنيسة ليظهرا تضامنهما واحترامهما لاخواننا الاقباط ثم يتعمدان ترك الكنيسة قبل بدء المراسم الدينية. ودافع قواعدهما عن ذلك بأنها مراسم غير اسلامية وفيها ذنب كبير لمن حضرها من المسلمين. (طبعا بعد ان فازوا بالرئاسة أراحوا واستراحوا ولم نر احدا من قياداتهم بالمرة) حقيقة عجبنى التبرير. فكيف تشارك وتشهد مراسم لدين غير دينك؟ فبذلك انت مشارك فى هذا الاثم. ولكن نسى الاخوان محترفو السياسة والساعون لاستاذية العالم ان فى اول اسبوع فى رمضان يستضيف البيت الابيض افطارا سنويا لممثلى المنظمات الاسلامية الامريكية. بل ويرفع فى داخل البيت الابيض الأذان وبعد ان يكسر المدعوون صيامهم تتم دعوتهم إلى داخل قاعة كبيرة جدا داخل البيت الابيض ليجدوا سجادة صلاة ضخمة متجهة إلى القبلة ليصلوا المغرب.

يفعل ذلك الامريكان بينما لا تتعدى نسبة المسلمين فى امريكا الستة بالمائة من السكان.

رجوعا إلى بلدنا العزيز مصر، الحقيقة لم اكن اشغل نفسى بفتاوى تحريم التهنئة بالاعياد فالحمد لله لا انتظر فتوى من هؤلاء لأقوم بعمل ما تعودت عليه وربانى اهلى عليه طوال عمرى. لكن ما جعلنى اندهش فعلا هو مشاهدتى للقاء تليفزيونى يقدمه الاستاذ خيرى رمضان واستضاف فيه بعض الشخصيات الدينية مثل الاستاذ خالد سعيد من الجبهة السلفية والقس فلوباتير منذ عدة اشهر. وتطرق الحديث طبعا للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

ثم كانت هناك مداخلة تليفونية للشيخ ياسر البرهامى رئيس الدعوة السلفية. استمعت إلى المداخلة وهو يشرح كيفية التعامل مع الاخوة المسيحيين.

ووجدت انه يفرق بين محبتهم والولاء والبراء. ثم اعلن انه كمسلم لابد ان يعدل اليهم ويقسط اليهم ولكنه لا يستطيع ان «يحبهم» لأن الحب مصدره القلب ولا يستطيع ان يسيطر عليه. واصلت مشاهدة هذا اللقاء الاسطورة وخيرى رمضان يحاول ان «يفاصل» مع د. ياسر برهامى اننا لابد ان نحب اخواننا فى الوطن والدكتور ياسر برهامى مصر على موقفه مستعينا بآيات وأحاديث مفسرة تبعا للكتب والمراجع المقتنع بها هو والمقتنع بها الكثير من التيار السلفى.

طبعا استغل القس فلوباتير ذلك وقال له انه «طب انا باحبك ايه رآيك بقى»، وحدثت مداخلة بعدها للحبيب على الجفرى يعلن فيها محبته للمسيحيين بدون قيد او شرط.

تابعت هذا اللقاء العبثى وانا افكر فى ماذا سيحدث اذا تمت ترجمة هذا اللقاء ونشره ليشاهده غير المسلمين؟ اى رسالة يبعث بها هؤلاء المشايخ؟ كيف سيعتنق هؤلاء الدين وامامه اشخاص يضعون الشروط الشرعية ويدخلون الناس فى المتاهات الفقهية حتى يقرروا هل يحبون انسانا آخر ام لا؟ الم يفكر الدكتور ياسر برهامى وغيره ان وضع هذه الشروط الغريبة للتعامل مع من هم على غير ديننا سينفر الآخرين من الاسلام؟ كيف نفتخر اننا دين الحب والتعايش والسلام ونحن نضع شروطا لنحب من هم اخواننا فى الانسانية قبل ان يكونوا اخواننا فى الوطن؟

لقد تحول ديننا على يد هؤلاء المتعصبين إلى جماعة التراس تكره الفرق الأخرى بدون قيد او شرط، وتحتقر الآخرين ليس فقط من الاديان الاخرى ولكن من نفس الدين لأنهم على غير دين الالتراس.

كيف وانت مأمور بنشر هذا الدين تتعمد تنفير الاخرين منك؟ كيف تعلن عدم حبك بل واحتقارك للاديان الاخرى والدعوة عليهم كما يحدث على منابر المساجد؟ هل تتوقع ان يأتى اليك اليهودى او المسيحى او البهائى او الملحد ويقول لك «اضرب كمان عايز اتوب؟».

هل مسح هؤلاء آيات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من قرآنهم؟ هل زهدوا فى كسب تابعين جدد وفرحوا بزيادة تعصب من معهم؟

لذلك لم اعد استغرب من فتاوى تحريم تهنئة المسيحيين وغيرهم. هؤلاء افتقروا إلى اولى مبادئ الانسانية فوضعوا شروطا لكبح أجمل المشاعر التى خلقها الله فى قلوبنا وهى الحب. فأصبحوا كراهية متجسدة تمشى على الارض. فهل تستغرب حين ينفجر خلاف طائفى هنا او هناك بسبب بناء كنيسة او اقامة شعائر ويؤججه احد هؤلاء المدعين. فهؤلاء نزعت من قلوبهم الرحمة والحب وحل محلها الكراهية والبغض.

لذلك قررت هذه السنة ألا اهنئ المسيحيين بعيدهم. فعيد اخى الانسان هو عيد لنا جميعا. كل سنة واحنا كلنا طيبين.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.