عاجل

البث المباشر

خلل فى بنية النظام يحتاج إلى معالجة فورية

من الطبيعى أن تختلف رؤى الأحزاب والقوى السياسية حول نوعية السياسات الواجب اتباعها فى جميع المجالات للخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة، غير أن القواعد والإجراءات التى يتعين الاحتكام إليها لحسم الخلافات يجب أن تكون موحدة ومتفقا عليها من جانب كل الأطراف، وإلا تعرض النظام السياسى برمته لضغوط قد تؤدى إلى تقويضه. ولأن لكلٍ رؤيته الخاصة لما يجب أن تكون عليه سياسة الدولة فى أى مجال من المجالات، فمن الطبيعى فى أى نظام ديمقراطى أن يقوم كل فصيل بترجمة رؤيته إلى برامج وخطط عمل تطرح على الرأى العام، وأن يتم الاحتكام إلى «الصندوق» للمفاضلة بين الخطط والبرامج المتنافسة. فإذا حسمت أغلبية الناخبين خيارها لصالح رؤية فصيل معين، تتحول خططه وبرامجه إلى سياسات رسمية وتصبح قياداته وكوادره «نخبة حاكمة» تتولى صنع السياسات، لكن لفترة زمنية محددة، يمكن فى نهايتها تجديد أو سحب الثقة منها، وبهذه الطريقة يمكن تجديد دماء النخبة الحاكمة وتجديد سياسات الدولة، وبالتالى تغيير أحوال الناس إلى الأفضل.

أما قواعد وإجراءات إدارة اللعبة السياسية، التى يجسدها الاحتكام إلى «الصندوق» فى نهاية المطاف، فلا يمكن فى أى نظام ديمقراطى إلا أن تكون توافقية. ذلك أن غياب التوافق حول القواعد المرغوب فيها يحيل القواعد المطبقة إلى قوالب «مفروضة» أو مفصلة على مقاس فصيل أو تيار بعينه، ويدفع بعربة النظام السياسى نحو طريق الاستبداد، وهو ما يحدث الآن بالفعل للنظام السياسى المصرى. فبعد نجاح الثورة المصرية فى إسقاط رأس النظام المستبد القديم، ما لبثت المحاولات الرامية لبناء نظام ديمقراطى بديل أن تعثرت وبدأت تظهر معالم لنظام جديد لا يختلف كثيرا، من حيث طابعه الاستبدادى على الأقل، عن النظام الذى كان سائدا قبل اندلاع الثورة. ويكفى أن نلقى نظرة فاحصة على شكل هذا النظام بعد ما يقرب من عامين ونصف العام على اندلاع الثورة، لنصل إلى نتيجة، مفادها أن طابعه الاستبدادى أو الشمولى يتكرس يوما بعد يوم.

فمن المعروف أن عملية بناء المؤسسات فى أى نظام ديمقراطى تشكل سلسلة متصلة الحلقات، ولا يستطيع أن يعمل بكفاءة إلا إذا اكتملت كل حلقاته وانتظمت فى علاقة منضبطة فيما بينها، تقوم على قاعدة الفصل والتوازن بين السلطات. فإذا غابت إحدى الحلقات أو اختلطت وتداخلت العلاقة بين سلطاته أو طغت إحداها على الأخرى، اختل عمل النظام ككل وبدأ يجنح نحو الاستبداد، وهذا هو ما حدث بالفعل للنظام السياسى المصرى. فرغم وجود دستور يؤطر لهذا النظام ويحدد قواعد إدارة اللعبة فيه، ورغم عيوب جسيمة شابت عملية صياغته عند ولادته، ورغم دخوله، من الناحية القانونية، حيز التنفيذ، عقب إقرار أغلبية الناخبين له، فى استفتاء عام، فإن هذا الدستور لم يدخل بعد حيز التنفيذ من الناحية الفعلية. فهناك، من ناحية، اعتراف عام بما يشوبه من عوار يتطلب التصحيح، بتعديل عدد من مواده الأساسية يتراوح بين ١٥و٢٠ مادة على الأقل. وهناك، من ناحية أخرى، صعوبة كبيرة تكتنف قدرته على تشغيل وضبط أداء النظام السياسى القائم بسبب عدم وجود مجلس للنواب.

صحيح أن الأحكام الانتقالية فى الدستور حاولت تعويض هذا الغياب بنقل سلطة التشريع إلى مجلس الشورى، غير أن هذه المحاولة لم تنجح إلا فى إبراز وتعميق أوجه الخلل فى أداء النظام.

مازال هذا الدستور «اللقيط» غير قابل للتطبيق حتى الآن رغم دخوله، قانونا، حيز التنفيذ، ذلك أن أى دستور لا يصبح قابلا للتطبيق إلا فى ظل نظام مكتمل المؤسسات، وهو ما لا يصدق على النظام السياسى المصرى بوضعه الراهن، بسبب عدم وجود مجلس للنواب يمكنه القيام بوظائفه الطبيعية، التشريعية منها والرقابية. أما محصلة هذا الخلل المزدوج فكانت على النحو التالى:

١- سلطة تنفيذية تخضع للإرادة المطلقة لشخص واحد، وتتغول على بقية السلطات الأخرى. ففى غياب مجلس للنواب، أصبح بإمكان رئيس الجمهورية تعيين أى شخص رئيسا لمجلس الوزراء، دون مراعاة الإجراءات المنصوص عليها فى الدستور، وتحول رئيس مجلس الوزراء إلى مجرد موظف يعمل لدى رئيس الجمهورية، مثلما كان عليه الحال فى النظام السابق، كما أصبح رئيس الجمهورية فى وضع يسمح له عمليا بتهميش القوى السياسية الأخرى، بما فيها القوى التى تحالفت معه فى البداية، بل باستبعادها كليا من العملية السياسية، والتمكين لجماعته وحدها من الهيمنة على كل مفاصل الدولة.

٢- سلطة نيابية غير مؤهلة، وليس لديها من الخبرات والكفاءات ما يؤهلها لإصدار تشريعات تتناسب مع خطورة وحساسية المرحلة الراهنة، بل لا تملك، قانونا، الحق فى ممارسة الرقابة السياسية على أداء الحكومة. فمجلس الشورى الحالى، الذى منحه الدستور «سلطة التشريع كاملة إلى أن يتم انتخاب مجلس النواب»، لم يكن قد انتخب فى الأصل للقيام بهذه الوظيفة، ولم تشارك فى انتخابه نسبة يعتد بها من الناخبين. ولأنه مجلس يفتقر، بتشكيله الراهن، إلى الخبرات التى تمكنه من ممارسة سلطة التشريع فى تلك المرحلة، فقد كان الاعتقاد السائد أنه سيكلف فقط بتشريعات «حالة الضرورة»، أى التشريعات اللازمة لاستكمال عملية بناء المؤسسات، وهو ما التزم به الرئيس علنا أمام مواطنيه. ومع ذلك فقد بدأ مجلس الشورى يتجاوز هذا الفهم لطبيعة المهام المنوطة به، وراح يسرف فى إصدار تشريعات، بعضها على جانب كبير من الخطورة بالنسبة لمستقبل البلاد، مثل قانون الصكوك، وقانون منطقة قناة السويس، وقانون السلطة القضائية، وغيرها من القوانين، وهذا وضع شديد الخطورة، ويهدد بكارثة بالنسبة للمستقبل.

٣- سلطة قضائية محاصرة، ومتهمة بالفساد، وتم الاعتداء عليها بشكل سافر ومباشر، حين أقدم رئيس الجمهورية على إقالة النائب العام، وقام بتعيين نائب عام جديد، دون التشاور مع المجلس الأعلى للقضاء، وتنظم المظاهرات من جانب حزب الرئيس وحلفائه للمطالبة بتطهيرها، وتجرى محاولات لاستخدام مجلس الشورى الحالى لإصدار تشريعات تستهدف تخويف القضاة وعزل المخضرمين منهم، من خلال تخفيض سن الإحالة إلى المعاش، وإثارة الانقسامات فى صفوفهم... إلخ.

ولأنه يصعب على أى نظام سياسى، بمثل هذه المواصفات، أن يؤدى مهامه ووظائفه الطبيعية بكفاءة، فقد أصبحت الحاجة الآن ماسة للإسراع بتصحيح مواطن الخلل البنيوى فيه، وإلا تعرض النظام برمته لضغوط تهدده بالانهيار.

فى سياق كهذا، يصعب تصور إصلاح الخلل البنيوى فى النظام، الذى بات ضرورة ملحة، إلا بوسيلتين لا ثالث لهما:

الأولى: أن يقتنع رئيس الدولة بأهمية الدعوة إلى حوار وطنى جامع، يستهدف الاتفاق على الإجراءات اللازمة والسريعة لعلاج هذا الخلل، وأن يعلن التزامه سلفا بما سيسفر عنه، وربما يكون من المفيد أيضا أن تصبح القوات المسلحة ضامنا لتنفيذه.

الثانية: أن تتوحد صفوف المعارضة للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة. فإذا أسفرت الانتخابات عن إعادة الثقة فى الرئيس مرسى، أصبح من حقه المضى قدما فى الطريق الذى اختاره، وبات على المعارضة أن تتعاون معه. أما اذا أسفرت الانتخابات المبكرة عن فوز شخصية أخرى، فسيكون ذلك بمثابة دليل قاطع على أن الشعب المصرى يريد نظاما سياسيا بمواصفات مختلفة.

ولأن الوسيلة الأولى لإصلاح الخلل تبدو مستبعدة، والوسيلة الثانية لاتزال تكتنفها صعوبات كبيرة، فيمكن القول إن مستقبل النظام السياسى المصرى مازال فى علم الغيب ومفتوحا على كل الاحتمالات.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات