صديقى.. الإخوانى

محسن الجلاد

محسن الجلاد

نشر في: آخر تحديث:

بداية.. لا أنكر أننى، من منطلق غريزة «التعاطف مع المستضعَف»، كنت أميل ميلاً كبيراً تجاه جماعة الإخوان المسلمين «أيام حكم مبارك».. وقد يرجع سبب هذا الميل الكبير لأننى كنت أراهم أصحاب رأى وعقيدة مضطهَدين من أجلهما.. وقد يرجع ذلك أيضاً لأننى كنت أسمع عن فلان الذى تم اعتقاله، أو فلان الذى صودرت أمواله، أو علان المضطهَد فى عمله بسبب انتمائه لتلك الجماعة العقائدية المحظورة.. وقد يرجع ذلك أيضاً لفرط سذاجتى، حيث كنت أراهم أناساً أتقياء أنقياء، وكانت تخدعنى مظاهر التقوى والورع التى كانوا يتزينون بها أمام أعين الناس.

ولكن، وللحقيقة، وبعد جولة الانتخابات الرئاسية الأولى، وبعد أن كتبت مقالين فى جريدة «الوطن» تحت عنوان «مصر بين كابوسين.. كابوس شفيق وكابوس مرسى»، وجدت نفسى كراهية فى كابوس شفيق أوافق على وضع اسمى ضمن الإعلاميين والفنانين المؤيدين «إعلامياً» لمرسى.. وما زلت رغم مصايب وبلاوى وفدائح فترة حكم مرسى أنادى أن نهدأ وأن تستقر الأوضاع حتى نعطى مرسى وجماعته الفرصة كاملة للحكم.

أما بالنسبة لصديقى الإخوانى.. فقد كانت المقدمة الطويلة عاليه مهمة لفهم لوغاريتمات شخصية صديقى الإخوانى الذى فعلاً يحيرنى ويذهلنى أمره.

فقد كان..

نعم.. فقد كان دائماً يتحدث حديثاً رقيقاً عن تعاليم الله (قال الله وقال الرسول).. وكان ذا ملبس نظيف «بغير بهرجة».. وكان دائماً بشوشاً تسبق كلماته ابتسامة تملأ وجهه.. وكان يتودد دائماً للفقراء والمساكين ويرأف لحالهم ويمد يد المساعدة لهم.. وكنا دائماً (أنا والأقارب والأصدقاء) نُخرج زكاة أموالنا وصدقاتنا عن طريقه، «وبالفعل كان يأخذها منا باليد اليمنى ليوزعها بمنتهى الأمانة على الفقراء والمساكين بنفس اليد اليمنى».. وكنا نراه دائماً يسبقنا فى المآتم والأفراح.. وفى زيارة المرضى.. ومع أنه كان ذا دخل محدود إلا أن كل الأمارات كانت تدل على أنه مستور الحال مع أنه لم يرثْ مليماً أحمر.. حتى إنه بنى بيتاً صغيراً فى «إمبابة» له ولأولاده، وكذلك كان يمتلك سيارة متوسطة القيمة!! وكان، وهو المهم، عندما يلقانا يهرول معانقاً بحرارة، ولابد من قبلة فى الكتف اليمنى وأخرى فى الكتف اليسرى.. وكان، وهو الأهم، عندما يتصادف ونصلى معاً كنا نصر على أن يكون هو الإمام.. وكان يصلى بنا كما ينبغى أن تكون عليه الصلاة «الفاتحة ثم على الأقل عشر آيات من القرآن الكريم بصوت جميل وقراءة صحيحة.. ثم يركع فيطمئن راكعاً.. ثم يعتدل فيطمئن معتدلاً.. ثم يسجد فيطمئن ساجداً... إلخ».. ثم كان بعد الصلاة يختم الصلاة.. وكانت الصلاة معه لفرض كالعشاء لا يقل وقت أدائها عن العشر دقائق.. وكان، وهو الأهم أيضاً، يتحدث عن المواطن المصرى أنه مواطن مسكين مهدرة حقوقه، وكم هو (الإنسان المصرى) طيب وأصيل وذو معدن طيب أصيل.. وكثيراً ما تحدث وأفاض فى حديثه عن حكم إسلامى رشيد يعيد للمصرى حقوقه وكرامته وتنهض به مصر نهضة مهولة عملاقة.. وكذلك، وهو المهم أيضاً، كان صديقى الإخوانى ينتقد بشدة كذب وخداع المسئولين «فى عهد مبارك».. وكان، وهو المهم والأهم أيضاً، ينتقد بشدة تولى أهل الثقة لمبارك للمناصب العليا، وكان دائماً يردد أن مصر فى حاجة لأهل الكفاءات وليس لأهل الثقة للحاكم.. وكان ينتقد بشدة تبعية القيادة السياسية والإدارة المصرية للإدارة الأمريكية، وكان يعتبر أن تلك التبعية هى سبب مصائب مصر.. بل وكان دائماً يسمى أمريكا بالشيطان الأعظم.

والأهم من كل ذلك أن صديقنا كان شديد الإخلاص لزوجته «أم عبدالرحمن»، وكان عندما يتحدث عنها ينعتها بالزوجة والحبيبة والصديقة والأم وأنها نعمة كبرى أنعم الله عليه بها..

وكان، وهو المهم والأهم، لا يمر يوم جمعة إلا ونسمع صوته مطمئناً على الأحوال والصحة والأنجال فى مكالمة لا تقل مدتها عن سبق دقائق.

وكان، وهو الأهم أيضاً، متابعاً «مع التزامه الدينى» لمسلسلات الدراما وللأفلام.. بل وكان عاشقاً من عشاق اللمبى وعوكل.. وكان يعشق الاستماع لأم كلثوم، وفيروز وشادية.. والأهم أن الجلوس كان معه ممتعاً.. وكنت أشعر فى قرارة نفسى وأنا جالس معه أننى جالس مع رجل من أهل الجنة.

ثم حدث..

نعم.. ثم حدث أن نجح الإخوان فى سرقة وخطف الثورة.. والوصول للحكم..

فماذا أصبح صديقى الإخوانى؟

وبالفعل أنا فى ذهول شديد لما أصبح عليه صديقى الإخوانى.. أصبح لا يُرى فى المآتم والأفراح إلا إذا كان مأتم أو فرح «فايف ستارز» مسلطة عليه أضواء الإعلام.. أصبح عابس الوجه بعد أن اختفت من على وجهه الابتسامة البشوشة.. أصبح لا علاقة له بأحبائه الفقراء والمساكين إلا فى ظروف الاستفتاءات والانتخابات لحشد أصواتهم بكيس السكر وزجاجة الزيت.

تبدلت الثلاث بِدَل «اللى كانوا حيلته إنتاج محلى» بمجموعة لا حصر لها من البدل والكرافتات ذات الماركات العالمية التى يظهر بها فى البرامج والمؤتمرات.. بل وتبدلت سيارته متوسطة القيمة بسيارة فارهة حديثة، وانتقل بأسرته من إمبابة إلى شقة شاسعة فى مصر الجديدة «ولا حسد فسبحان المعطى الوهاب لمن يشاء حين يشاء».. بل وتبدل جلوسه فى أوقات فراغه من على المقهى المجاور للمسجد إلى إدمان الجلوس فى «الفورسيزونز» وفنادق الـ«فايف ستارز».. بل وتبدلت طريقة مصافحته عند اللقاء، فبعد الهرولة والقبلات على الكتفين والعناق الحار.. أصبح بالكاد يشد على يد مصافحه، «وأظنه بعد عام آخر من جاه وعز النفوذ سيمد بالكاد متأففاً طراطيف صوابع يده مصافحاً من يصافحه».. وأصبح، وهو المهم «عندما قابلته فى مقر الجماعة» يصلى هو ورفاقه من أعضاء الجماعة صلاة «ثعلبة»، حيث يصلون صلاة نقر الديك، فلا يستغرق أداء صلاة العشاء معهم أكثر من أربعين ثانية.. وما إن يسلم الإمام منهياً صلاة الديوك حتى يهرولوا مرتدين أحذيتهم ليلحقوا باجتماعاتهم.

وأصبح، وهو المهم، هاتفه مغلقاً طوال اليوم، وتمر أسابيع وشهور ولا يسأل عنا كما كان يسأل من قبل، بل وعندما يتصادف ويرد على اتصالنا ينهى المكالمة بعد أقل من ثلاثين ثانية (فقد أصبح مهماً).. وأصبح، وهو المهم، ذا صوت به حدة وغلظة وأسلوب حديث ولهجة متعجرفة متعالية.. «ويكفى أن تقارن بين لهجته هو وأقرانه قبل السلطة وبعد السلطة حتى فى وسائل الإعلام»..

وأصبح، وهو المهم والأهم، عندما يتحدث عن الإنسان المصرى ينعته بأنه «إنسان نمرود ومينفعش معاه غير الضرب بالكرباج»، وأنه إنسان فاسد وجاهل وجهول..

وأصبح، وهو المهم والأهم، يبرر جميع خطايا حكم مرسى والإخوان، ويدعى بأن العيب ليس على الحاكم بل العيب فى المحكومين.. بل أصبح يدافع ويبرر كذب الإخوان وانتهاجهم لأقذر أساليب لعب السياسة.. بل وأصبح يدافع عن مبدأ تولى أهل الثقة وليس أهل الكفاءة للمناصب العليا.. بل وأصبح من أكثر المتحمسين لتبعية الإدارة المصرية للإدارة الأمريكية.. «فهم (الأمريكان) من وجهة نظره الجديدة أسياد العالم واللى ملوش كبير لازم يشتريله كبير».

ونأتى لـ«أم عبدالرحمن» زوجته التى كان ينشد الأناشيد على مسامعنا عن إخلاصه لها.. فالحقيقة لم يطلقها ولم يسرّحها بإحسان.. فقط اشترى شقة صغيرة فى القاهرة الجديدة وتزوج فيها من حسناء سورية لا يتجاوز عمرها نصف عمره.. ويقضى عندها معظم أوقاته.. مع الاحتفاظ بالاحترام والتقدير للحاجة «أم عبدالرحمن».

أما أم كلثوم وشادية وفيروز واللمبى وعوكل فقد أقلع عنهم بعد أن ارتأى أنهم رجز من عمل الشيطان وأن سماعه لهم أو مشاهدته إذا وصلت أخبارها للحلفاء السلفيين ستقلل من قدره عندهم.

لقد تغير.. لا بل تبدل صديقى الإخوانى، ويكفى أن أذكر عن صديقى الإخوانى وتبدُّل أحواله أن صديقى الإخوانى الذى كان يسارع فى عيادة المرضى مهما بعدت درجة قرابته أو معرفته بهم أن زوج أخته مريض منذ شهور طويلة بمرض خبيث ولم يفكر صديقى الإخوانى فى زيارته حتى هذه اللحظة.

ويكفى أننى شخصياً كنت أشعر وأنا جالس معه من قبل أننى أجلس مع رجل من أهل الجنة.. والآن إذا تصادف وجلست معه أشعر أننى أجلس مع رجل من أهل «الجماعة» التى أراها تقدس تعاليم سيد قطب وحسن البنا أكثر مما تقدس تعاليم الله ورسوله.

والمهم والأهم أننى أصبحت مؤمناً أننى وغيرى كنا مخدوعين للغاية «لفرط سذاجتنا» فى صديقى الإخوانى.

وللحديث بقية عن «صديقى الليبرالى» فى مقال قادم إن شاء الله.

والله من وراء القصد.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.