الفشل التشريعى والدعوة إلى التمرد.. نتيجة سنة أولى رئاسة!

علي السلمي

نشر في: آخر تحديث:

ظهر الفشل الرئاسى وتراكمت ملامحه ومؤشراته على مدى الشهور منذ تولى الدكتور مرسى رئاسة البلاد، وكانت بوادر الفشل بادية فى سلسلة الإعلانات التى وصفت خطأ بكونها «دستورية»، لكنها فى الأساس «غير دستورية»!

وكانت البداية فى الإعلان الدستورى الذى أصدره الدكتور مرسى يوم 11 أغسطس 2012 بعد أيام قليلة من مأساة ذبح جنودنا فى رفح أثناء تناولهم طعام الإفطار فى رمضان الماضى، وكان مبرر إصدار ذلك الإعلان الادعاء بأنه استجابة لطلب الغالبية من القوى السياسية وتنفيذاً لاتفاقه مع «الجبهة الوطنية لحماية الثورة» فى فندق «فيرمونت» يوم 22 يونيو 2012 على إلغاء الإعلان الدستورى المكمل الذى كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أصدره فى 17 يونيو وجمع فيه بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وهلل الناس الطيبون لإلغاء الإعلان المكمل، لكنهم لم ينتبهوا إلى أن «الرئيس المنتخب» قد حصل لنفسه على ذات الوضع الذى عابه على المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأن جمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بأن أعطى لنفسه كل السلطات التى كان الإعلان الدستورى فى 30 مارس 2011 قد نص فى المادة 56 على صلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة (وليس رئيس الجمهورية)، وأولى تلك السلطات «سلطة التشريع»، بينما أن سلطات رئيس الجمهورية كانت وفقاً للمادة 25 من إعلان 30 مارس، الذى تم انتخاب د. مرسى فى ظله، أن يباشر رئيس الجمهورية فور توليه منصبه الاختصاصات المنصوص عليها بالمادة 56 من هذا الإعلان عدا المبين فى البندين 1 و2 منها. أى أن «الرئيس المنتخب» جمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ما كان يعيبه على المجلس الأعلى للقوات المسلحة وألغى الإعلان الدستورى المكمل لهذا السبب.

كذلك جاءت المادة الثالثة من إعلان 11 أغسطس 2012 أنه «إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها، شكَّل رئيس الجمهورية خلال خمسة عشر يوماً جمعية تأسيسية جديدة، تمثل أطياف المجتمع المصرى بعد التشاور مع القوى الوطنية، لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويعرض مشروع الدستور على الشعب لاستفتائه فى شأنه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الانتهاء من إعداده، وتبدأ إجراءات الانتخابات التشريعية خلال شهرين من تاريخ إعلان موافقة الشعب على الدستور الجديد»، ورغم هذه المهلة والطعن على تشكيل الجمعية التأسيسية فقد أصدر «الرئيس المنتخب» القانون 79 لسنة 2012 بمعايير اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية فى 11 يوليو 2012 بهدف تحصين قرارات الجمعية، الذى أحيل إلى المحكمة الدستورية العليا لفحص مدى دستوريته!

ثم أصدر الإعلان الدستورى فى 21 نوفمبر 2012، الذى ترتب عليه انقسام الوطن وتفاقم الاحتقان المجتمعى نتيجة النتائج الكارثية لذلك الإعلان «غير الدستورى»، التى كان أبرزها جعل القرارات الرئاسية نهائية غير قابلة للطعن من أى جهة أخرى منذ توليه الرئاسة حتى انتخاب مجلس شعب جديد، وإقالة النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود واستبدال المستشار طلعت إبراهيم به، وعدم جواز حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور، وتمديد فترة كتابة الدستور الجديد لمدة شهرين، ثم إعادة محاكمات المتهمين فى القضايا المتعلقة بقتل وإصابة وإرهاب المتظاهرين أثناء الثورة.

ولما تفجرت الثورة الشعبية ضد تلك الإعلانات «غير الدستورية» وتشكلت «جبهة الإنقاذ» لقيادة الرفض الشعبى لقرارات د. مرسى ووضوح نزعته إلى تأسيس «ديكتاتورية» جديدة، اضطر «الرئيس المنتخب» إلى إصدار إعلان دستورى فى 8 ديسمبر 2012 أوهم الشعب بأنه إلغاء للإعلان الدستورى الصادر فى 21 نوفمبر 2012، لكنه فى الحقيقة نص على إلغائه مع بقاء ما ترتب على ذلك الإعلان من آثار صحيحاً.

وقد زاد د. مرسى فى تأكيد نواياه فى تأسيس نظام ديكتاتورى جديد مغلف بثوب ديمقراطى زائف، قبوله إضافة مادة أخيرة فى الدستور برقم 236 نصت على «تلغى جميع الإعلانات الدستورية الصادرة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية منذ الحادى عشر من فبراير سنة 2011 وحتى تاريخ العمل بالدستور، ويبقى نافذاً ما ترتب عليها من آثار فى الفترة السابقة»، بمعنى أن سلطة الرئيس الديكتاتورية أصبحت محصنة بالدستور!

واستمر الفشل الرئاسى متمثلاً فى محاولات التغوُّل على السلطة القضائية والتربص بالقضاة، المستمرة من المحاولة الأولى لإقالة النائب العام د. عبدالمجيد محمود والمستمرة حتى الآن والمتمثلة فى مشروع قانون السلطة القضائية الذى يريد نظام «الرئيس المنتخب» د. مرسى تمريره بهدف تخفيض سن التقاعد للقضاة ليكون 60 سنة وتتم بذلك إحالة ما يقرب من 3500 قاضٍ إلى التقاعد. وقد نقض د. مرسى وعده الذى جاء فى برنامجه الرئاسى بضرورة احترام أحكام القضاء ورفض «الرئيس المنتخب» تنفيذ حكم محكمة الاستئناف بإبطال قرار تعيين النائب العام الحالى وأصر على استمراره فى منصبه رغم رفض القضاة وأعضاء النيابة العامة هذا التعيين ورغم مطالبة مجلس القضاء الأعلى للنائب العام المحكوم ببطلان تعيينه بالتخلى عن المنصب والعودة إلى منصة القضاء.

وبلغت قمة الفشل الرئاسى باللجوء إلى حل قاصر لتعويض الفشل فى إحياء مجلس الشعب المنحل، وذلك بالنص فى المادة 230 من الدستور الجديد على أن «يتولى مجلس الشورى القائم بتشكيله الحالى سلطة التشريع كاملة من تاريخ العمل بالدستور حتى انعقاد مجلس النواب الجديد»، مع تردى القدرة التشريعية وانحدار الكفاءة القانونية لأغلب أعضاء مجلس الشورى غير المهيئين لمباشرة الاختصاص التشريعى، وآخر مثال على رفض المحكمة الدستورية العليا قانون انتخابات مجلس النواب وقانون مباشرة الحقوق السياسية.

ولك الله يا مصر!

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.