أمر لا يدعو للقلق

علي سالم

نشر في: آخر تحديث:

احتجز محتجون في أسوان 44 حافلة تقل 510 سائحين أوروبيين بالقرب من مدينة أبو سمبل السياحية لمدة تزيد على 7 ساعات، ترتب على ذلك أن شركات السياحة الألمانية والإنجليزية والنمساوية والسويدية حذفت مدينة الأقصر من برامجها السياحية، وهي المدينة التي تحوي ثلث آثار العالم. إذا تصورت أن في الأمر مصيبة أو كارثة، فأرجوك راجع نفسك، لأن مصدرا مسؤولا في وزارة السياحة صرح بأن «الأوضاع في مصر حاليا جيدة ومستقرة ولا يوجد ما يقلق». أنا على يقين من أن الرجل صادق كل الصدق في تصريحه، هو بالفعل لا يشعر بالقلق، لأنه كان يعرف أن إيران سترسل في اليوم التالي مائتي سائح لم يقطع أحد طريقهم بعد. كان موضوع الاحتجاج هو أن مسؤول توزيع مياه الري في المنطقة، قطعها عن أصحاب المزارع وضخها لأصحاب مفارخ الأسماك، فهدد بذلك الأرض بالبوار. قطع الطريق في الطرق السريعة يحدث الآن لأسباب عدة، لعل أغربها، اختفاء فتاة شابة من قرية ما، وبعد عدة أيام نكتشف، ويكتشف معنا أهل القرية ما كانوا يعرفونه من قبل وهو أنها اختفت مع شاب من قريتها أو من قرية أخرى، وأنهما الآن ينعمان بالحب على شواطئ شرم الشيخ.
أعود لتصريح المسؤول «لا يوجد ما يقلق»، الواقع أني أشعر بقلق كبير، لأني أقرأ في هذه الواقعة ما لا يتنبه له أحد، وهو أنها عمل من أعمال الاستبداد قام به طغاة صغار، عندما تجتمع الناس على فكرة قطع الطريق على ضيوفهم، ضيوفهم كشعب وكدولة، وتعريضهم لساعات من الخطر والإحساس بالرعب لغير ذنب جنوه، فهذا معناه أنهم يرون في الاستبداد أمرا طبيعيا ومطلوبا أيضا؛ أن يستبد بهم أحد، أو يستبدوا هم بالآخرين، يكون هو قانونهم الجدير بالاحترام والالتزام. ربما نفهم فكرة أن يحاصروا مسؤول الري في مكتبه، أو أن يحاصروا مبنى المحافظة بما فيها من مكاتب المسؤولين، وأن يرغموا الجميع على سماع شكواهم، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، وجدوا أنه من الأسهل لهم احتجاز كل هذا العدد الكبير من السياح في درجة حرارة جحيمية، في بقعة من الأرض تتوسط عظمة الماضي وبؤس الحاضر، إذا كنت أنت ترى في ذلك أمرا طبيعيا أو لا يدعو للقلق، فلا شك أنك إنسان يدعو للقلق.
معنى ذلك، أن إفلات مصر من الاستبداد في الأعوام القادمة، بات أمرا مستبعدا، لأن هناك، وبأعداد كبيرة، من يقبل بنهم على سلعة الاستبداد بالآخرين، وأن المقصود بحقوق الإنسان هو حقوقه هو فقط. وأن من حقه عندما تتوفر له القدرة، أن يحتجز بشرا، هم أصلا ضيوفه بما فيهم من عجائز وأطفال لعدد طويل من الساعات من دون أن يحرك كل ذلك في قلبه أو نفسه أو عقله أي إحساس بالخطأ. هؤلاء المستبدون الصغار، هل تعتقد أنهم سيختارون حكاما عادلين؟ أم أنهم سيدعمون كل من يرون أنه مستبد مثلهم؟


*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.