عاجل

البث المباشر

صباح ناهي

إعلامي وباحث وكاتب عراقي

إعلامي وباحث وكاتب عراقي

"المستقيلون" والمقالون من هذا الزمان

المناصب العامة ترفع كثيراً من مكانة الناس في المجتمع, وتجعلهم أكثر حظوة في الحياة العامة، ويكون لهم ولأقرانهم حياة ذات معنى! حين يقصدهم الناس من كل المشارب والألوان يطلبون "واسطة" كي تسهل أمورهم أو تدفع ملفاتهم الى الواجهة في التعيين وفي العلاوات وفي المطالبات والتخصيصات الأخرى التي بدأت منذ بداية الدولة الحديثة حتى يومنا هذا مما يجعل "متسنمي" المناصب مراعاة هذه الصفة التي تميزهم الى الحد الذي أضحوا يتصورن أو يظنون بأنهم امتلكوا العصا السحرية التي ستقلب التراب ذهبا.

ويتقمص الكثير من المتنفذين في المناصب "الدور" حتى إنهم يخالون أنفسهم لشدة التصاق الناس بهم متفوقون, ذوو خبرات استثنائية تعلو على قدرات البشر وعلى إمكانيات أقرانهم الذين ظلوا أسفل السلم وهم في أعلاه, وتبدأ النظرات من زوايا مختلفة ومن مساقط ضوء غير متكافئة, ففي الوقت الذي ينظر العامة أو الناس الاعتياديون الى المسؤولين "المتفوقين" عليهم من الأسفل الى الأعلى , لاشك أنهم يرون أقدامهم وهم في القمة, ولهذا يفسر عناية المسؤولين بأحذيتهم وماركاتها ونظافتها, من الأسفل أكثر من الأعلى، في وقت ينظر المُعتلون صهوات المجد الى الناس من رؤوسهم فقط, ولا يرون وجوههم ولا تهمهم أحذيتهم كثيرا, ولا يعرفون إن كانوا مرتدي أحذية أو حفاة هذا ليس مهما إنهم يملكون رؤوسا لا غير من زاوية التنظر التي يتخذونها بعد التنصيب, ويتملّكهم شعور بأنها "رؤوس حان قطافها" كما قال الحجاج بن يوسف الثقفي يوماً حين اعتلى المنبر وخطب بأهل الكوفة بأنه لا يرى سوى رؤوس حان قطافها.

إن واحدة من خصال "الرفعة والمسؤولية" في عالمنا العربي - كما يتوهم البعض ويمارس- في سلوك السلطة, النزوع الى الانعزال والنأي عن مخالطة الناس الى حد الانزواء عنهم, تجنبا لمشكلات قد تواجههم لا يملكون حلولاً لها, وهو في الحقيقة هروب وتهرب الى الأمام.

إلا ما ندر من ولاة الأمور الذي تمرسوا على أن يكسروا "البعد الرابع" الذي يفصلهم عن جمهورهم ليبقوا ملتصقين -عن قصد – بهموم الناس ويعبروا عن آمالهم, علّهم يسهمون في حلها وهؤلاء يطلق عليهم "النبلاء" أو أصحاب الشرف الوطني, أو "أصحاب الضمائر الحية" أو "أصحاب المروءات" والتاريخ العربي حافل بهؤلاء ولعل خير من عبرّ عنهم خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين لخص شرف المسؤولية بقوله: "لو عثرت شاة في أسفل أرض السواد لكنت مسؤولاً عنها", وأرض السواد هذه كما هو معلوم العراق, الذي تعثر فيه كل شياه العالم! حين تمر لكثرة مطباته ومفخخاته ومفسديه ممن يدعون الديموقراطية وحقوق الإنسان وتداول السلطة ويتكلمون عن ما هو دستوري وغير دستوري, بلغة فاقعة ومكشوفة النوايا حد التقزز, فحين تسأل مسؤولا ينفق بلا وجع قلب "من أين لك هذا", لا يتوانى من التهرب وتقمص الأدوار وخلق تواريخ وهمية والجميع يعرف أنه كاذب لأن ذاكرة الناس مازالت حية ومتقدة.

لعلّ المنصب هو "الباعث السحري" في أن تتغير مُسميات الناس فبدلاً من أن يطلق على المسؤول اسمه أو لقبه العلمي أو ينسب لأسرته يتحول الى "معالي الوزير" وزوجته "حرم الوزير" وابنه ابن الوزير، وجيرانه "جيران الوزير" والشارع الذي يسكن فيه يتخذه الناس دلالة للحي ولساكنيه, وحين نورد ذلك ليس بدافع "حسد العيشة" لا سمح الله بل هو تلقف للظاهرة لا غير.

إنها في المحصلة نعمة يسبغها الله على بعض الناس حين يسّتوزروا أو يصبحوا" أصحاب السعادة" أو" العطوفة " وما إلى ذلك, في سلم الألقاب التي ابتدعتها ثقافة عالمنا العربي, ليعبروا عن اعتزازهم المفرط ب"السادة المسؤولين" الجدد, من دون أن يعرفوا أن هؤلاء الأكابر جاءوا الى المنصب لخدمة الناس لا غير, وهذا يدعوا الى أن يراعوا هم ذلك التبجيل والتقدير المفرط والاعتزاز المبالغ فيه لاسيما من أتباعهم وموظفيهم ومن المشتغلين معهم ليؤدوا عملهم بأحسن حال ويعلوا في فهم مشاكل الناس لكي يكونوا أكثر مبادرة ليقدموا حلولاً وتصورات تتناسب وحجم حفاوة الناس بهم وإفراطهم في التبجيل, وهذا حق للناس ولا أقول واجب على كبار الإداريين, من أصحاب المعالي الى أصحاب العطوفة, ولكن بالقليل تنسجم أعمالهم مع توجهات وفلسفات الحكم الذي أناط بهم شرف المسؤولية. أليس كذلك ؟!

لكي لا تتفاقم مشكلات المجتمع وتصبح أزمات لا يمكن حلها الا بالثورات والانقلابات والعصيانات, كما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا وقبلهم, وأخرى مرشحة للتفجر نتيجة "التهاء" السادة المسؤولين بالواجهة الاجتماعية على حساب العمل الدؤوب الحقيقي المتفرد في خدمة أوطانهم , لدرء ضجيج الناس وتقولهم ونكديتهم !!

وإلا عليهم أن يستقيلوا ليفتحوا أبواب المسؤولية لآخرين. قد يكونوا أكثر استعداداً لتحمل وزر المنصب ومواجهة الأزمات لكي ينقذوا البلدان من هول ما يحدث في الشوارع الآن, التي أصبحت إفرازاً لظاهرة , لطالما نبّه اليها الفكر السياسي المعاصر وهي "سيطرة رجل الشارع على رجل السياسة" كما يحدث اليوم في الشارع المصري والعراقي والتونسي وسواه وهي ليست ظاهرة خاصة بنا بل تعاني منها الشعوب بل أغلب مجتمعات العالم الثالث في لحظة تسنم المسؤوليات الأولى لإنصاف المتعلمين وأرباع الاكفاء ومنعدمي المواهب.

إن تسنم المسؤوليات وتوزيع الأدوار في الدول لا يختص به كادر الأحزاب والجماعات بعينها, حين يفوزون في الانتخابات العامة, لأن الحياة السياسية ليست بالضرورة الخضوع لمنطق الأحزاب المتسلمة لمقاليد الحكم عند فوزها, هي مسؤولية المجتمع عموما سواء كان في السلطة او المعارضة, وإن منطق الدولة شيء ومنطق الأحزاب والجماعات المتسلطة شيء آخر مختلف, الأحزاب والجماعات حالة متحركة متطورة صعودا أو نزولاً, تبعا للناخبين في الأنظمة الديموقراطية في وقت أن الدولة لها سمة الثبات والاستمرار وعنوانها التطور والمواكبة.

فحين لا تؤمن بأن بقاءك في إدارة الحكم وقتي مقترن بكفاءة الأداء "لحين يأتي من هو أفضل منك في تقديم الخدمة للناس تصعده صناديق الانتخابات المقبلة".

الدولة مؤسسة خدمات عامة ومشاريع لرفاهية المجتمع وليس ألسنة طويلة مدحاً وقدحاً قد تفرزها الحياة الحزبية والجماعية أحياناً، هي مؤسسات وآليات قد تحركها ممارسات صغيرة أحياناً, ولنا في ذاكرة السياسة المعاصرة الكثير من الشواهد.

لقد استقال وزير الداخلية البريطاني من منصبه لأن زوجته استغلت اسمه لتحصل على بطاقات مسرح للجمعية التي ترأسها، وأمضى الرجل بقية عمره يعمل في جمعية خيرية ولا يخرج إلى في مناسبة اجتماعية.. واستقال رئيس وزراء كندا لأن زوجته أودعت 10 آلاف دولار في حساب خاص في نيويورك بعيداً عن دفع الضريبة.. واستقال ديغول لأن الاستفتاء الذي طرحه على التصويت لم ينل أكثر من 62%, فيما ترك تشرشل مقره في 10 شارع "دونينغ ستريت"، لأن مجلس العموم البريطاني صوتّ على إجراء انتخابات مبكرة.

السلطة ورجالها عُرفاً أو دستوراً- أيا كانت - حين لا تقترن بمحبة الناس وقبولهم ودعائهم واحترامهم واقتناعهم وتعاملهم كنسغ صاعد وآخر نازل في مقدرة التفاهم مع الناس تستحيل الى كابوس, ورجالها الى كاتمي أنفاس الناس لا غير يأملون إقالتهم أو استقالتهم غير مأسوف عليهم.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات