ما هذه الأميركا؟

راجح الخوري

راجح الخوري

نشر في: آخر تحديث:

كان من المثير تماماً ان تستقبل واشنطن عملية سقوط محمد مرسي وحكم "الاخوان المسلمين" بما يشبه مناحة صامتة، ما يؤكد بوضوح فجيعتها وهي ترى ان تحالفها الجهنمي مع الاخوان قد انهار في اكبر بلد عربي، بما يؤسس لإنهيار رهانات مماثلة تقيمها في تونس وليبيا وسوريا وغيرها. وليس خافياً ان كل تلك الرهانات تأتي في اطار الحرص على إعاقة تطور الدول العربية، تارة من خلال دعم انظمة الديكتاتوريات العسكرية الآخذة في الانهيار وطورا عبر اطباق "المرشديات الاخوانية" على السلطة.

واشنطن كانت على دراية كاملة بأدق التفاصيل، وعرفت ان ما حصل هو انقلاب شعبي على حكم مرسي والاخوان الذين اختطفوا الثورة، وفي حسابهم ادخال مصر عصر "الفرعونية الاسلامية"، وليس انقلاباً عسكرياً كما قال مرسي وكما حاول باراك اوباما ويا للسخرية، ان يوحي عندما اصدر توجيهات الى الاجهزة الاميركية لمراجعة" ابعاد تدخل الجيش المصري" بحيث يقرر ما اذا كان ذلك سيؤثر على المساعدة الاميركية لمصر". كانت الشوارع تغص بأكثر من ثلاثين مليوناً من المصريين الصارخين "ارحل ارحل"، وكانت واشنطن تراقب المشهد جيداً ولكن اوباما لم يتردد في الحديث عن انقلاب عسكري... غريب!

تلويح واشنطن بوقف المساعدات غباء كبير لأنه يبدو مهيناً لصورة اميركا اكثر من إهانته لمصر، فليس من المقبول ان تتعامى واشنطن عن ملايين المواطنين يطالبون باستعادة ثورتهم المخطوفة وبإنهاء سريع لحكم أفلس باكراً لأنه قام على التسلط وامتهان الدستور وإذلال القضاء والتمييز بين أطياف المجتمع، ولا من المقبول ان تكون مصر في حجم حفنة من الدولارات في حساب اميركا، لكنه الغباء المطلق الذي سينتهي سريعاً عندما تهش السفيرة الاميركية آن باترسون وتذهب لتقديم التهنئة والتأييد للقادة المصريين الجدد.

لم يكن انقلاباً بل كان تصحيحاً بارعاً لمسار احمق وقد اختير بعناية لانهاء مرحلة قاتمة، كانت تهدد مستقبل مصر بل مستقبل ما سمي "الربيع العربي" الذي سارع الاخوان الى سرقته وتزويره. ولم يكتف عبد الفتاح السيسسي بالـتأكيد ان القوات المسلحة ستظل بعيدة عن العمل السياسي وان ما فعلته هو تلبية نداء الشعب وانها ستعمل على ارساء التوافق بين القوى السياسية والاطراف كافة في مصر، وذلك من خلال سهرها على صون العملية الديموقراطية واعادة التوازن الى البلاد، فقد توالت على المنصة من بعده اصوات تمثل المرجعيات الدينية والسياسية والشبابية ولم يغب صوت المرأة، بما يؤكد ان ما جرى كان عملية سحب للشرعية الشعبية من مرسي والإخوان، ورغم ان البيت الابيض كان يراقب المشهد احس بالاختناق لكنه سرعان ما سيبتلع تهديداته السخيفة ويذهب لتقديم التهنئة!

* نقلا عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.