جماعة قتلت نفسها

نبيل عمر

نبيل عمر

نشر في: آخر تحديث:

تخيلوا معي ماذا يمكن أن يحدث في مصر، لو أن الرئيس محمد مرسي خرج على الناس قائلاً: «يا شعب مصر.. اسمحوا لي أن أعتذر إليكم، عما حدث دون قصد مني في العام الماضي، لقد حاولت ولكن النتائج لم تأت كما خططنا، ولقد قررت الاستجابة لمطالبكم، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فإرادة الشعوب لا تُرد وهي مصدر قوة أي حاكم، وقد كان هذا عامنا الأول وصادفتنا صعوبة كثيرة عرقلت مسيرتنا، فلم ننجز ما وعدتكم به، ولأني أشعر بكم ومنكم، ونحن نبني ديمقراطيتنا الوليدة، فمن حقكم أن تعترضوا وتخرجوا إلى الشوارع غاضبين، ومنكم كانت شرعيتي، وهذا قراركم، ولقد كلفت هيئة المستشارين بإيجاد صيغة دستورية لهذه الانتخابات المبكرة، وفقنا جميعاً لخدمة مصر وطننا الغالي».
تخيلوا معي لو أن محمد مرسي فعل ذلك، مع أن «لو» من عمل الشيطان، بدلاً من خطاب التهديد والوعيد الذي أطلقه في وجه المصريين مساء الثاني من يوليو الجاري، قبل نهاية المهلة التي منحتها له القوات المسلحة، للاستجابة لمطالب ملايين المتظاهرين في كل أنحاء مصر؟!
قطعاً كان المشهد قد تغير كلياً.. وربما انقلب رأساً على عقب..
أولاً: جَنب جماعته خوض غمار مواجهة خاسرة مع المجتمع المصري، فهذه أول مرة تجد الجماعة نفسها وجهاً لوجه مع الشعب وليس السلطة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، وكانت المواجهات السابقة مع السلطة تكسبها شعبية وتمنحها قوة معنوية هائلة هي التي ضمنت لها الدوام خمسة وثمانين عاماً متصلة.. أما مع الشعب فهي استنزاف كامل لرصيدها.
ثانياً: حافظ على التنظيم وقياداته من الوقوع تحت طائلة القانون، فجماعة الإخوان ليست قانونية ولم تبحث مطلقاً عن تقنين أوضاعها، حفاظاً منها على سرية التنظيم والتمويل، هي فقط اكتسبت اعترافاً «بوضع اليد» أي الأمر الواقع، ولم يتغيب بإشهارها تحت جنح الظلام قبل بضعة أسابيع، لأنه كان إشهاراً باستغلال السلطة.
وقطعاً سيعاد النظر في ملف الإشهار كاملاً، بعد كل العنف الذي مورس في الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
والأهم أن الجماعة خسرت تقريباً كل قياداتها دفعة واحدة، ما بين مقبوض عليهم أو صادر أمر من النيابة العامة بالقبض عليهم، وكلهم متهمون بالتحريض على العنف الذي وصل إلى حد إعلان الحرب على الجيش والشرطة وجماهير 30 يونيو. والتحريض كان علناً ومن منصة رابعة العدوية، أو برسائل موجهة عبر الإنترنت.
ثالثاً: أثار الشك في نفوس الجماهير المصرية المعارضة في موقفها من الرئيس والجماعة، فالرئيس بخطابه التخيلي كان سيبدو بسيطاً ديمقراطياً مستجيباً لنداء الشعب، وقطعاً ستندلع موجة من التفسيرات تطارد موقفه، وتصب في مصلحته، وتزعم أن الرجل قد تغير، بل إن الفضائيات التي دأبت على معارضته ستجد نفسها في موقف حرج جداً من الاستمرار في نقده والهجوم عليه.
رابعاً: مَنح نفسه فرصة ترميم «صورته في أذهان الجماهير»، فالانتخابات الرئاسية المبكرة لن تجري قبل ثلاثة شهور على الأقل، من إعداد وإصدار قانون يسمح بها، ثم فتح باب الترشيح وفترة الدعاية التي لن تقل عن ستين يوماً، ثم التصويت، وثلاثة شهور فترة طويلة نسبياً وليست قصيرة، كان يمكن فيها أن يتخذ قرارات لتحسين مستوى معيشة المصريين نسبياً، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية، أو على الأقل الدخول في حوار جاد حولها، في الوقت نفسه تتحرك كوادر جماعة الإخوان في الشارع تُحسن من صورة الجماعة وتعيد لها البريق..
وقد زارت السيدة آن باترسون، السفيرة الأميركية في القاهرة، مكتب الإرشاد ممثلاً في المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام، وتحدثت معه على مدى ثلاث ساعات في مكتبه، قبل عاصفة 30 يونيو بأسبوعين، ونصحته بقبول الانتخابات الرئاسية المبكرة، لكن الرد كان رفضاً قاطعاً.
وكان تقدير الجماعة وجهاز مخابراتها الخاص، أن 30 يونيو سيكون يوماً عادياً جداً، قد يتظاهر خمسون ألفاً في ميدان التحرير، وبضعة آلاف في بعض ميادين المحافظات، يلفون فيها رافعين الأعلام المصرية لمدة ساعتين أو ثلاث، ثم يغادرون إلى بيوتهم وينتهى الموقف!
لم يحسن الرئيس ولا الجماعة قراءة المشهد المصري قبل 30 يونيو، وهذا من حسن حظ المصريين، فرسبت الجماعة في الحكم رسوباً مدوياً في أول اختبار حقيقي لها في دولة كبيرة. الأغرب أن القراءة الخاطئة التي ترتقي إلى مرتبة الخطيئة لا تتوقف عن الدوران، فصارت أشبه بمقصلة تمزق جسد جماعة إلى أشلاء، دون أن يبذل خصومها أي جهد.
وهذا ليس غريباً في التاريخ، فأغلب الجماعات الدينية المغلقة، سواء غرباً أو شرقاً، مآلها الزوال مهما كان عمرها، لأنها حركة ضد الإنسانية، فأصحاب هذه الجماعات عنصريون بطبعهم وطبيعتهم، يظنون في أنفسهم رقياً وسمواً عن بقية البشر، وهو ما ظهر في تصريحات المرشد العام «الإخوان أسيادكم»، وقد تكررت «أسيادكم» كثيراً على مدار العام الأخير! والعنصرية تحمل بذرة الفناء في داخلها، وعلى سبيل المثال؛ أين الخوارج والقرامطة والإسماعيلية؟! وها هم الإخوان يمضون على نفس الدرب إلى ذاكرة التاريخ!

*نقلاً عن "البيان" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.