رسالة إلى الإخوان.. ما معنى الوطن؟

مصطفى النجار

نشر في: آخر تحديث:

على هذه الأرض الطيبة وُلدنا جميعا، مصريون ننتمى لهذا الوطن، تعلمنا معنى الوطنية فى طابور نشيد الصباح بمدارسنا ونحن نغنى من قلوبنا ببراءتنا «بلادى بلادى لكى حبى وفؤادى»، رددنا كل يوم تحية العلم لنؤكد أن مصر أولا حين تهتف حناجرنا بكل فخر وإعزاز تحيا مصر تحيا مصر.

اقتنع بعض منا بفكر يقول لهم لا معنى للوطن الذى تعيش فيه وإنما وطنك هو كل أرض يوجد فيها من يعتنقون دينك وأن الأقرب إليك ليس المصرى المختلف معك دينيا بل الأجنبى الذى يحمل نفس دينك.

قالوا لنا إن هناك حلما للخلافة يجب أن نعيش له وأن هناك نموذجا للحكم الاسلامى لا بد أن نناضل من أجله حتى يحكم شرع الله، وأن من حولنا على ضلال لأنهم لا يفهمون الدين كما نفهم ولا بد أن ندعوهم إلى الله حتى يكونوا معنا فى صفنا بعيدا عن الجاهلية.

كنا نحب ديننا ونصدق من يحدثنا بالآيات والأحاديث ليؤصل لنا هذا الفهم الذى يريده، كنت واحدا من هؤلاء الملايين من أطفال مصر وشبابها الذين تعرضوا لهذه الأفكار فى بداية حياتهم إلى أن نضج عقلى واتسعت معرفتى وعرفت صحيح دينى الذى علمنى أن الوطنية من الدين وأن من لا يقدر معنى الوطن لا يفقه معنى الدين، علمت أن الله لم يخلق نموذجا للحكم كما يدعون وإنما يحثنا على التحلى بمبادئ أساسية هى العدل والمساءلة والشورى والشفافية وغيرها من القيم التى يحث عليها الدين.

جاء بعض السابقين من شيوخ وفقهاء واجتهدوا لعصورهم وأخذوا يأصلون شرعيا لنظم الحكم القائمة فى زمانهم -مع ما صاحب بعضها من ظلم واستبداد وخروج عن الدين- باجتهاد بشرى محض وجاء بعدهم من يصر على أن يجعل هذا الاجتهاد البشرى جزءا من الدين، لقد جعلوا البشرى مقدسا والنسبى مطلقا وظنى الدلالة ثابت الدلالة، وأصروا على أن من لم يؤمن بهذا فهو بعيد عن دين الله.

تحدثوا عن إقامة شرع الله كما يفهمونه فى أمور ضيقة ولم يبحروا فى مقاصد الشريعة التى تبحث عن مصالح الناس وسعادتهم، كان لا بد من خلق العدو الذى نحتشد معا لمواجهته حتى نضمن وحدة الصف وتوهج مشاعر المفاصلة، ربما يكون العدو هو المختلف دينيا أو فكريا أو سياسيا وفى كل الأحوال هو ابن وطنك ولكن اقتناعك بهذه المنظومة الفكرية التى تمثل «دوجما» أى فكرا واحدا ورأيا واحدا وسلطة مطلقة لا تقبل النقد ولا المراجعة، اقتناعك بهذه الدوجما التى تغذيها مشاعر حبك لدينك يجعلك تابعا منقادا لا تفكر وإذا حاولت التفكير ونقدت فلا أحد يسمعك ولا شىء يتغير ولا بد أن تسمع وتطيع لمن يقودك حتى يكتمل إيمانك!

كل من أدرك الحقيقة فارق هذا الطريق، ولكن ظل كثير من أصحاب القلوب الطيبة والفطرة.

النقية المحبين لدينهم يعتقدون أن إرضاء ربهم أن يكونوا فى هذا التنظيم حالمين بتطبيق شرع الله ونصرة دينه، لم يكن كثير من هؤلاء مجرمين ولا أصحاب غرض ولا طلاب دنيا بل مخلصون وطيبون وضحايا لفكر اقتنعوا به وجعل حياتهم وأولوياتهم تسير فى هذا الاتجاه.

وصلت هذه الجماعة إلى الحكم فى لحظة استثنائية لم يكن أمام المصريين فيها خيار وهم يخافون من عودة النظام القديم فقالوا ضرر أخف من ضرر وعاقبتهم الجماعة على اختيارهم حين لم تستطع أن تدرك أنها تحكم دولة بحجم مصر ولم تستطع التخلص من آفات التنظيم فانعكست الأفكار والممارسات على طريقة حكمها للدولة.

عام واحد نجحت هذه القيادات المتكلسة فى تقسيم الشعب المصرى وإثارة كل المخاوف وجعل الجماعة فى مواجهة الشعب، أدمنوا الحديث عن مؤامرات وشماعات للفشل وتبريرات ليرسخوا إحساس المظلومية لدى أفراد الجماعة الذين تم غسل عقولهم بكذب مستمر من قياداتهم وتم الزج بالدين لإسكات أى صوت عاقل فحولوا المعركة إلى معركة بين الدين وأعدائه، وقالوا للناس إنها المؤامرة الكونية ضد الإسلام وهم يعلمون أن الدين برىء من كل هذا العبث، ولكن المتاجرة بالدين لتبرير كل خطأ سياسى وفشل ينجح فى مداعبة عواطف الناس وصرف أنظارهم عن المأساة والخلل الحقيقى.

ضج المصريون بالشكوى وتعالت أصوات الرفض ولكن لم يستمع هؤلاء، ظنوا أنهم يواجهون معارضة سياسية هشة وضعيفة ولكن حين حدث السقوط اكتشفوا أنهم يواجهون ملايين اليائسين والمحبطين والكافرين بالجميع الذين قرروا إسقاط النظام.

وبعد السقوط تم ارتداء قميص الثورة مرة أخرى لتصبح المعركة بين معسكر للثورة وآخر مضاد له وبين الدين والكارهين له، وتخيلوا أن الناس ستصدق هذه الثنائيات ولكن خاب ظنهم فكيف يهتف اليوم ضد العسكر من تحالف معه يوما ورفض هتاف الناس ضده فى 25 يناير 2012 وصنع مواد دستورية خاصة فاقت كل ما اعترض عليه الناس من قبل؟ الآن لم تلتق المصالح فصاروا أعداء وصار مؤيدو تغيير النظام عبيدا للبيادات وأصبح هؤلاء هم الثوار المدنيون ضد العسكرة.. أليست هذه هى الملهاة المضحكة؟

أما عن المؤسسة الأمنية التى لم يجرؤ هؤلاء الفشلة على الاقتراب منها لإصلاحها وإعادة هيكلتها طبقا لمعايير مهنية وحقوقية بل بلغ الهزى برأسهم أن يقول أن الشرطة -التى قامت ثورة يناير ضدها- هى شريك فى العبور للثورة، فى احتقار مهين لكل الشهداء الذين سقطوا من قمع هذه المؤسسة أيام القمع والاستبداد.

الآن يشتكون من البلطجة وعودة أدوات القمع وأمن الدولة ولا يرون أنفسهم السبب الرئيسى لذلك؟ إنه انفصال تام عن الواقع وإنكار مستمر يمثل حالة مرضية لا شفاء منها.

حتى الآن لا يوجد اعتراف بالأخطاء التى أوصلتنا لهذه المأساة، بل يستمر الابتزاز والمزايدة على من يرفض الاصطفاف معهم رغم أنهم يعلمون أن الثوار الحقيقيين بوصلتهم واضحة فهم ضد نظام مبارك وضد حكم الإخوان وضد عسكرة السياسة.

أما النحيب المتواصل عن عودة أعداء الثورة وانقضاضهم على المشهد فلا يجدون أى غضاضة فى اتهام الثوار بأنهم تحالفوا مع أعداء الثورة كراهية فى الإخوان وهذا لم ولن يحدث ولكنهم ينسون أنهم رفضوا وفشلوا فى تحقيق العدالة الانتقالية بل تحالفوا مع هؤلاء وأتوا ببعضهم فى الوزارة الفاشلة.

ليس هذا وقت التشفى والشماتة ولكن مغالطات هؤلاء لا بد أن يعلمها الناس ولا بد أن يتذكرها من يناصرونهم لكى ينتصفوا للحق ويدركوا أن هذه الرؤوس تقودهم للهلاك.

إدارة الإخوان للأزمة الآن لا تحمل أى قدر من المسؤولية ولا الوطنية، كيف يتمنى هؤلاء ويدعون لانشقاق فى جيش بلدهم ثم يتحدثون عن الوطنية والثورة؟ هل من أجل مصلحة تنظيم وصراع على سلطة نفكك مصر ونمزقها وندخل البلاد فى حرب أهلية؟

قميص الشرعية المرفوع فى وجوهنا لا معنى له، سقطت هذه الشرعية منذ نقض العهد بين الحاكم والمحكوم، سقطت هذه الشرعية تحت أقدام ملايين المصريين الذين نزلوا يطلبون التغيير، أما الحديث عن انقلاب عسكرى فهو مغالطة مكشوفة، هل كان المطلوب من الجيش ترك البلاد تدخل فى حرب أهلية حتى لا يسمى انقلابا؟ هل كان مطلوبا من الجيش أن يفقد السيطرة على فرض الأمن وتتحول مصر إلى صومال أو عراق جديدة؟

إن أخطر ما يحدث الآن هو تجاوز مراحل الماضى وما حدث فيه والبدء من مشاهد إراقة الدماء والبناء عليها مع إغفال كل ما مضى مما سيقودنا إلى المشهد السورى بعد قليل.

إن شحن الشباب ضد جيش بلدهم أمر شديد الخطورة، إن تخوين قيادات الجيش المستمر ليلا ونهارا على منصة رابعة جريمة فى حق الوطن لا يعرف هؤلاء العابثون مدى خطورتها وكارثيتها.

إلى شباب الإخوان وأفراد الجماعة، عودوا إلى رحاب الوطن فهو أوسع من ضيق الجماعة وأسوارها التى عزلتكم عن أبناء وطنكم، لا تبادروا بالهجوم والتخوين فكاتب هذه الكلمات يشفق عليكم ويعرف إلى أين ستمضى بكم هذه القيادات ومصر تحتاج إلى جهد كل مخلص.
تعلموا فضيلة الشك وتخيلوا للحظة واحدة أنكم على خطأ وتصوروا ما هى التداعيات التى ستمضون إليها ويمضى إليها الوطن إذا كنتم على خطأ.

لن نسمح بإراقة دمائكم ولا دم أى مصرى ولن نرضى بعودة عصور الظلام والقمع وانتهاك الكرامة الإنسانية فهذا ما ثرنا ضده وأسقطنا نظام مبارك بسببه، ولكننا لن نتسامح ولن نتصالح مع كل يد تمتد بالعنف ضد المصريين ولن نتصالح أبدا مع من يريد تفكيك مصر وإسقاط الدولة من أجل مغانم السلطة وصراعاتها، فالوطن أبقى وأعلى من الجميع.

راجعوا أنفسكم وانقدوا الذات، لا يخذل الله من كانوا على الحق ومن خذلهم الله بفشلهم لا بد أن يتعظوا، امتلكوا الشجاعة لتقولوا لقيادات قادتكم إلى هذا البؤس كفى، يقولون لكم أنها معركة ضد الإسلام وهذا كذب محض هى معركة من أجل تنظيم متهالك شابت أفكاره وقاده من قدموا مصلحة الجماعة على الوطن، أنتم وقود لحرب لستم طرفا فيها، حولكم هؤلاء إلى أعداء للشعب، أنتم لا تواجهون الآن مؤسسة أو أنظمة بل تواجهون شعبا ضاق بكم ذرعا، لا تصدقوا ثوب الثورة الذى يرفعونه الآن فأفعال هؤلاء لم تمت للثورة بصلة حين مكنهم الله ويتم استدعاء أحاديث الثورة حين يضيق بهم الطريق، حزين عليكم ويحترق قلبى وأنتم تنفصلون كل يوم عن المصريين، كونوا أبناء لهذا الوطن ولا تكونوا أبناء لهذه الجماعة ولا أتباعا لهؤلاء القادة، راجعوا أنفسكم ولو للحظة وتخلوا عن العاطفة ولا يخدعنكم أحد باسم الدين واقرأوا دوما قول الله عز وجل «قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا»، كونوا على حذر فقد تشملكم هذه الآية وأنتم لا تشعرون، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

نقلاً عن صحيفة "اليوم السابع"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.