كان الوطن هو القضية

عاطف الغمري

نشر في: آخر تحديث:

كانت الأزمة في مصر، تتجاوز حدود السياسة والقواعد المستقرة للحكم والمعارضة، والأغلبية والأقلية، إلى منطقة حرجة تتعلق بالوطن وهويته .

وكان شعور الغضب العام، نابعاً من إدراك تراه العين، بالسعي لتغيير طبيعة الدولة المصرية، ترافقه ممارسات غياب مفهوم الدولة، في عقول الذين أمسكوا في أيديهم بزمام الحكم . فالدولة كمفهوم، لها قواعد تقوم عليها، ومن دونها يكون ما هو موجود، قائم على أرض رخوة، لا تتحمله ولا توفر له الثبات والاستقرار .

هذه القواعد هي التي نقلت المجتمعات الإنسانية، من حياة الهمجية البدائية، التي تناطح فيها الجماعات بمنطق القوة والغلبة، وإن كل جماعة بدائية تؤمن بأن من حقها أن تأخذ كل شيء، ولا تتنازل عن أي شيء . وكان صراع هذه المجموعات من البشر مع بعضها، هو صورة ناطقة ومن دون أي اختلاف مع صراعها مع الحيوانات البرية التي تصطادها لتوفر الغذاء والاحتياجات المعيشية لأفرادها .

من ثم قامت الدولة - حسب تعريف علم السياسة - كتجمع يربط الناس ببعضهم على أساس قاعدة أخلاقية، تمثل فلسفتهم، لما هو خير لهم جميعاً، ولما يضمن استمرار الحياة، والأمان والتقدم .

وتم الانتقال من البدائية الهمجية إلى صيغة الدولة، بمقتضى عقد اجتماعي يخضع له الجميع، محوره القانون . أي أن ما يوفر للدولة مقوماتها، هو مفهوم دولة القانون التي تتوازن فيها السلطات، وتنتعش فيها الحريات .

من هنا، ولدت الأزمة الأخيرة في مصر . التي كانت تدفع إليها مجموعة من العناصر، في مقدمتها عنصران رئيسان، أولهما نقص كفاءة الحكم . والثاني أن النظام كان يحكمه عقلاً وسلوكاً، فكر أيديولوجي . وهي صفة تدفع بالدولة بعيداً عن الزمن وما يجري فيه من تطورات . وليس خافياً على أحد أن الأيديولوجية، كمبدأ يحرك السياسات، قد سقطت من إدارة شؤون الدول، منذ التغييرات الهائلة في النظام الدولي، عقب سقوط الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية عام 1989 .

ونتيجة لهذين العنصرين، ظهر بشكل واضح افتقاد الحكم، للمقومات الأساسية لإدارة الدولة . فهو يرأس نظاماً منغلقاً على ذاته، يحيط نفسه بأسوار تعزله عن المجتمع . ولهذا تتابعت تصرفاته المنغلقة على فكره الأيديولوجي، الذي لا يعبر عن الوطن بكامله التي تزيد من عزلته من إعلان دستوري يحصن سلطاته، إلى دخوله في خصومة مع مختلف مؤسسات الدولة . منها ما اتخذ صورة الخصومة الصريحة مثلما جرى مع القضاء، والصحافة، والإعلام، ومنها ما كان التعبير عنها متوارياً، مثل تصريحات لبعض قيادات الجماعة ضد الجيش، والشرطة، وإذا وجدوا رد فعل غاضب، سارعوا بالتنصل مما قاله واحد منهم، وتعللوا بأن هذا رأيه الشخصي .

ونتجت عن فقدانهم المعرفة بمفهوم الدولة، تصرفات عبثية، لا علاقة لها بالعمل السياسي انعكست في عدم امتلاك النظام استراتيجية للسياسة الخارجية، أو مجلس أمن قومي حسب المعايير العلمية والدولية، حتى إنهم عندما شكلوا مجلس أمن قومي، بناء على صياغة الجمعية التأسيسية لنص في الدستور، فقد جاء تكوين المجلس بحشد وزراء وكبار مسؤولين في عضويته، متجاهلين أن مجلس الأمن القومي يتكون من أصحاب الخبرة والفكر المتخصص .

وكانت النتيجة إدارة سيئة، لمختلف قضايا السياسة الخارجية، وهو ما ظهر في إدارة قضية مياه النيل، وأزمة سد النهضة الإثيوبي، والإساءة للعلاقات مع معظم الدول العربية، التي تمثل مجتمعة مع مصر، انتماءً قومياً واحداً .

بل إن عبثية التصرفات النابعة من العنصرين المشار إليهما، وصلت إلى حد توجيه عبارات مسيئة للأزهر، من على ألسنة قيادات منهم . وهي المؤسسة التي تمثل بالنسبة للعالم الإسلامي، المنارة التي يتطلعون إليها بكل الاعتزاز، ولاتزال بعثاتهم تفد إلى مصر لتعلم أصول الدين الإسلامي .

ثم كان افتقادهم أي رؤية لمشروع للتنمية الاقتصادية، يستثمر موارد وإمكانات مصر، محنة أخرى أنزلوها بالوطن، وزاد منها إصرارهم على عدم الالتفات إلى العلماء وأصحاب الخبرات، ممن لديهم العلم والخبرة لصياغة مشروع للتنمية يقود مصر إلى التقدم والازدهار . وذلك لأنهم خاضعون تنظيمياً لفكرة التمكين للجماعة من الدولة، فعهدوا بهذه المهام لمن ينتمون لهم أيديولوجياً، مما أدخلنا في متاهات يجرنا إليها ناقصو الكفاءة، والفكر الأيديولوجي الذي يحلق بهم في آفاق الخيال، والحلم بدولة الخلافة التي يتحدثون عنها، غافلين عن حقيقتين جوهريتين من حقائق العصر، وهما التنافسية التي أدركت معناها مختلف الدول التي عرفت أن مفاتيح التقدم هي التنافس مع غيرها لكي تتفوق، وتحقق إنجازات تنفرد بها . والحقيقة الثانية أن المصلحة الوطنية هي التي تقود السياسات قبل أي شيء، وهو ما يحول في زمن تحكمه الواقعية السياسية، دون تقبل أي شعب، أن يشاركه شعب آخر اقتسام ما حققه من تقدم وثراء وازدهار .

فنحن في عصر ثورة المعلومات، الذي تحكمه قوانين وقواعد وسياسات، تختلف عما كان متبعاً في سنوات مضت . وأن من يتجاهل هذه التحولات في المفاهيم السياسية والاقتصادية، وفي التغير في المزاج النفسي والاجتماعي للشعوب، إنما يلقي بنفسه في عالم الأوهام .

إن ما حدث في مصر أخيراً، هو عودة للخطة التي انطلقت فيها ثورة 25 يناير ،2011 يومها رأى المصريون أمام عيونهم أملاً في إعادة بناء مصر قوية، ناهضة داخلياً، وتحتل مكانتها التي تستحقها خارجياً .

وحين جرى بعد الثمانية عشر يوماً الأولى من الثورة، تمزيق للتوافق المجتمعي، واقتحام الميدان - كرمز- من عناصر بعضها كان معارضاً للثورة، وبعضها كان متردداً في اللحاق بها، فقد سعى من لديهم القدرة التنظيمية إلى اختطاف ثمرة الثورة قبل نضجها، فتراجعت الآمال وحلت مع سياسات النظام، قطيعة بين الحكم والمعارضة، بل ومع المجتمع عامة، عندئذ انبثقت من وسط سحابات الإحباط الكثيفة، بارقة أمل بثها جيل جديد من الشباب حمل اسم “حركة تمرد”، استطاع أن يحرك الملايين، الذين خرجوا إلى الميادين والشوارع في اللحظة نفسها، في جميع مدن وقرى مصر، لاستعادة زمام الموقف، إلى أيدي المصريين، حفاظاً على الوطن وهويته، وكان الوطن هو القضية .

*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.