لماذا يتفاوضون ما داموا سيختلفون؟

عصام نعمان

نشر في: آخر تحديث:

لماذا يتفاوضون ما داموا سيختلفون؟ آخر تحديث:السبت ,03/08/2013
منذ اتفاق أوسلو العام 1993 والفلسطينيون يتفاوضون مع “الإسرائيليين” دونما جدوى . ليس كل الفلسطينيين وافقوا على المفاوضات أو اشتركوا فيها، وليس كل “الإسرائيليين” . مع ذلك ما انفك الطرفان يحرصان على المفاوضات رغم كل المواقف المعلنة التي توحي باستحالة جدواها . آخر التمارين اللافتة في هذا المجال الجولةُ الأخيرة التي عقدت في واشنطن تحت إشراف وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري وبرعاية رئيسها باراك أوباما .

لماذا العودة إلى الدوامة نفسها ما دام الطرفان واثقين بأنهما سيختلفان بعد يوم أو شهر أو سنة؟

ثمة أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة .

في خانة الأسباب “الإسرائيلية” المباشرة، يمكن إدراج وثيقة خاصة وزّعها “مكتب الإعلام الوطني” التابع لرئيس حكومة “إسرائيل” بنيامين نتنياهو على وزرائه تشرح أسباب العودة إلى المفاوضات .

للعودة ثلاثة أهداف: استنفاد فرص التوصل إلى حل سلمي، الحؤول دون حدوث تطورات سلبية ضد “إسرائيل” داخل الهيئات الدولية، و”الاستعداد للتحديات التي حولنا” .

الوثيقة ركّزت على التأكيد بأن المفاوضات جاءت استجابة لمطالب نتنياهو من دون الرضوخ لأي شروط مسبقة، “ومن دون إعلان “إسرائيل” أن المفاوضات ستجري على أساس خطوط ،1967 ومن دون تجميد البناء في الضفة الغربية ومن دون إطلاق الأسرى قبل بدء المفاوضات” .

تبدو الأسباب المباشرة، في نظر نتنياهو، كافية لإقناع معظم قطاعات المجتمع السياسي “الإسرائيلي” بضرورة استئناف المفاوضات . لكن، هل هي كل شيء؟

ثمة سبب غير مباشر، معروف إنما غير معلن بصورة رسمية، مفاده أن لدى القيادة “الإسرائيلية” العليا دراسة استراتيجية موثقة، مدعومة بدراسة أخرى أمريكية، تؤكدان أن عدم التوصل إلى “حل الدولتين” سيفضي عاجلاً أو آجلاً إلى دولة واحدة ثنائية القومية، ستؤول تركيبتها بالضرورة إلى طغيان العرب الفلسطينيين ديموغرافياً (عددياً) على اليهود ما يؤدي تالياً إلى ضياع “يهودية” الدولة وخسران الصهاينة السيطرة السياسية على كيانها ومؤسساتها .

في خانة الأسباب الفلسطينية “الرسمية” المباشرة نقع على “عقلية واقعية” تبدو مستعدة دائماً لتقديم عشرات الأسباب والحيثيات . أصحاب هذه العقلية يقولون: لنكن واقعيين . الاستيطان متواصل بمفاوضات ومن دون مفاوضات . كذلك اعتقال آلاف الفلسطينيين . فلماذا لا نعود إلى المفاوضات لإبقاء القضية حيّة ولإشعار المجتمع الدولي بضرورة الاهتمام بأوضاع الفلسطينيين المأساوية وبالتالي تقديم الدعم المادي والعون الإنساني وإطلاق الأسرى والضغط على “إسرائيل” إذا ما ثابرت على التصلّب والرفض؟

يشفع مؤيدو “خيار” المفاوضات تبريراتهم باعتزامهم اعتماد إجراءات يقولون إن من شأنها ليّ ذراع “إسرائيل” إذا ما امتنعت عن تقديم تنازلات محسوبة . أبرز الإجراءات : استكمال التوجّه إلى الأمم المتحدة للحصول على صفة الدولة كاملة العضوية، وتفعيل الاستفادة من الفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية في لاهاي بخصوص عدم شرعية جدار الفصل العنصري، والعودة إلى تنفيذ مضمون تقرير “غولدستون” بخصوص جرائم الحرب التي ارتكبتها “إسرائيل” في حربها على قطاع غزة، وتفعيل ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية وما يمكن أن ينجم عنه من انعكاسات إيجابية على المقاومة الشعبية الفلسطينية .

ترى، ألم يكن حرياً بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير أن تقوما بكل الإجراءات المار ذكرها قبل العودة إلى اعتماد “خيار” المفاوضات؟

لعل الجواب عن هذا السؤال يكمن في الأسباب غير المباشرة التي دفعت بالسلطة الفلسطينية، مرة أخرى، إلى حلبة المفاوضات . ذلك أن اتفاق أوسلو وتوابعه أدى إلى قيام نظام سياسي في الضفة الغربية ينطوي على مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، إضافة إلى شبكة من العلاقات الأمنية والاقتصادية تستفيد منها قوى وشرائح داخل السلطة الفلسطينية وعلى هامشها ما أدى ويؤدي إلى نشوء مصالح ضالعة يهمها استمرار الوضع الراهن وحمايته بمفاوضات تجري مع “إسرائيل” برعاية المجتمع الدولي وبقيادة الولايات المتحدة .

المفاوضات بدأت فعلاً بجلسة تمهيدية في واشنطن مخصصة للبحث في جدول أعمال الجلسات اللاحقة التي ستعقد في “إسرائيل” أو في الضفة وربما في عمان ايضاً . وقد رَشَحَ من أوساط الوفدين الفلسطيني “الإسرائيلي” أن البحث سيتركز أكثر ما يكون على مسألتي الحدود والأمن . إنهما، في الواقع، قضية واحدة محورها الأرض: ماذا سيبقى للفلسطينيين من أرض خارج إطار الاستيطان الصهيوني المتمادي، وكيف ستحمي “إسرائيل” “حصتها” المعترف بها من الأرض؟

أوباما، كما كيري، أقرّا بأن المفاوضات ستكون شاقة وطويلة . هما كرّسا لها، بدايةً، تسعة أشهر . خلالها يحظّر على الطرفين أن يسرّبا شيئاً عن تطوراتها . إنها مفاوضات سرية بمعزل عن الإعلام الذي يمكن أن “يخرّبها” . كيري سيتابعها شخصياً وإن كان مبعوثه مارتن أنديك سيتولى إدارتها . كما وعد كيري بأن يشير بأصبع الاتهام إلى الطرف الذي يتسبب في تعطيلها . هذا الوعد فسّره الفلسطينيون بأنه تهديد موجّه اليهم بالدرجة الأولى، لأنه لم يسبق للولايات المتحدة خلال 65 سنة مضت على زرع “إسرائيل” بين ظهراني العرب أن وجّهت إليها لوماً!

الفلسطينيون المعارضون للمفاوضات وغير المشاركين فيها كالوا للسلطة الفلسطينية اتهامات شتى . أبرز هؤلاء حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” . “حماس” دانت تصرف السلطة واعتبرته طعنة لوثيقة المصالحة الوطنية . أما “الجهاد الإسلامي” فقد دان أمينها العام رمضان عبدالله شلّح العودة إلى مفاوضاتٍ لم ولن تكون ذات جدوى، واصفاً إياها بأنها “ليست مفاوضات بل مقايضات” .

هل أصبح قبول المفاوضات أو رفضها هو قضية الفلسطينيين المركزية؟

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.