عاجل

البث المباشر

كل إقصاء وأنتم بخير!

كلما حكم مصر فريق أبعد منافسيه السياسيين، وأقصاهم من خارطة الحكم تماماً، وشوه صورتهم، وشنّ عليهم حملات التكفير السياسى أو الدينى.. فعندما قامت ثورة 25 يناير ألغت الحزب الوطنى تماماً، وأدخلت الكثير من رجالات النظام السابق السجن، وظهر شعار «امسك فلول»، و«امسك شرطى» إلى سماء مصر، لتخلط البرىء مع المسىء فى تعميم بغيض يأباه العقل وترفضه الشريعة.. ولما عزل د. مرسى إذا برجالات الحكم فى عهده يتحولون من قصور الحكم إلى غياهب السجون مرة أخرى بتهم قد تصلح لفترة الستينيات، ولكنها لا تصلح اليوم أبدا، وإذا بمن عينهم الإخوان يعزلون جميعا من مناصبهم دون نظر فيمن يستحق العزل، ومن لا يستحق، لنكرر نفس الخطأ.. كل أمة تحكم تلعن أختها وتقصيها بجنون لا مثيل له..

الكل لا يريد أن يعترف بالكفاءة، الكل يريد من يواليه ومن يتبعه.. أليس فى كل حكم يأتى إلى مصر رجل رشيد يقول لأصحابه «نبقى على الكفاءات ونعزل ما سواهم»؟.. أليس منهم من يقول «ما ذنب من تولى المنصب بحقه حتى يعزل هكذا، وما ذنب من عمل فى الرئاسة مع د. مرسى حتى تحدد إقامته أو يسجن»؟.. لماذا يريد كل منا أن ينتقم من الآخر إذا تمكن منه؟.. أين معانى العفو والتسامح عند المقدرة؟.. لقد خوطب النبى فى قرابة 19 آية قرآنية بالعفو عن الآخرين.. منها آيات رائعة تدعو للعفو حتى دون عتاب، لأن العتاب يولد الجفاء، ويضعف من قيمة العفو، وأسماه القرآن «الصفح الجميل»، وأمر نبيه الكريم به «فاصفح الصفح الجميل».

وكيف تحدد إقامة سيدة فاضلة مثل د. باكينام، قد نتفق على ضعف أدائها السياسى، لكنها فى النهاية امرأة فاضلة، وأم ساقتها أقدارها سوقا إلى نار السياسة التى تصلى القريب والبعيد.

ينبغى علينا أن نستحضر ونحن فى السلطة لحظة زوالها عنا، وطلبنا للرحمة من الآخرين.. فلنبذلها الآن حتى تبذل لنا فى وقت ضعفنا.. ولندفعها للضعفاء فى يوم قوتنا حتى تدفع لنا غدا فى لحظات انكسارنا.. إننا أمة منكوبة بالإقصاء.. يأتى كل نائب عام فيقصى كل رجال من سبقه.. ويأتى كل حاكم جديد فيضيق على القضاة الذين يخالفونه ويتوعدهم.. لقد ضحى بعض الليبراليين بمبادئهم وداسوها بأقدامهم حينما أعمتهم كراهية الإخوان، فرضوا بهدم قواعد الليبرالية، ورضوا بسجن السياسيين من خصومهم.. واشتط بعضهم بطلبهم فض اعتصام رابعة بالقوة دون اعتبار لحرمة الدماء المعصومة التى ستسيل كالأنهار فى شهر الصيام عن المباح.

ويشتط البعض حينما يطالب فى صفاقة بإسقاط الجنسية المصرية عن عالم جليل عظيم مثل د. القرضاوى لفكر أو رأى سياسى رآه، قد تتفق أو تختلف معه. نحن نعيش زمن الحمق والعجلة والإقصاء والتفكير الأهوج.. ويبدو أنه لا أمل فى أن نتشارك سوياً فى الحكم دون أن يكون الآخرون فى السجن. مشكلتنا الأزلية غياب الحكمة والعقل، فالبعض دفع د. مرسى إلى الرئاسة دفعاً دون أى يتأهل لها فظلمه، والبعض الآخر دفعه للسجن بتهم ظالمة وغبية، فليس من العقل ولا الحكمة محاكمة د. مرسى أصلاً.. أما الجنون بعينه فهو اتهامه بالتخابر مع حماس أو غيرها. نعم حماس غير مصر.. ولا ينبغى التداخل المخل بينها وبين الدولة المصرية دون ضوابط.. فهذا لا يحدث حتى بين الحركات الإسلامية المصرية.. ولكن من العار أيضاً اتهام د. مرسى بهذا الاتهام. ومن الجنون رغبة البعض فى حبس د. قنديل.. فأين الاعتدال والوسطية؟.. البعض جعله دون استحقاق رئيساً للوزراء.. والآخر يريده فى السجن.. أليس هناك مكان وسط يليق به مثل أن يكون وزيراً فى تخصصه؟.. متى نعدل مع الناس فلا نعطيهم فوق حقهم أو نبخسهم حقهم؟!

نقلاً عن صحيفة "اليوم السابع"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة