الغباء والعناد السياسي‏!‏

عبد المحسن سلامة

نشر في: آخر تحديث:

الغباء السياسي للإخوان هو الذي دفعهم إلي الترشح لرئاسة الجمهورية بعد أن أكدوا أنهم لن يتقدموا إليها‏,‏ والغباء السياسي أيضا كان وراء ممارسات الرئيس السابق محمد مرسي حينما أصدر قرارا بعودة مجلس الشعب المنحل, وما كان له أن يفعل, لوجود حكم بات ونهائي من المحكمة الدستورية التي هي أعلي المحاكم في مصر, وقرارها لا رجعة فيه, وكانت من قبل قد أصدرت حكمين سابقين في عهد الرئيس الأسبق مبارك بحل مجلس الشعب وتم تنفيذهما, بلا نقاش أو جدال, ثم كان الغباء السياسي أيضا هو الدافع وراء الإعلان الدستوري المكمل في نوفمبر الماضي الذي أشعل الدنيا.

الغباء السياسي أيضا كان وراء تمسك د.محمد مرسي بحكومة فاشلة أجمع كل الفرقاء علي فشلها ورفضها, إلا أنه ظل متمسكا بها حتي أطاحت هي به وأيضا التمسك بنائب عام غير شرعي ثبت قانونا فيما بعد بطلان تعيينه واقالته.

نفس الحال من الغباء السياسي تكرر في اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور والاصرار علي سلق الدستور وتمريره رغم كل الاستقالات التي حدثت منها وعدم سماع صوت العقل بضرورة التوافق في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ مصر, والتي لا يصلح معها سياسة الاستقطاب والاقصاء, غير أن الغباء كان وراء ارتكاب الحماقات واحدة تلو الأخري حتي خسروا الشارع وخسروا الكثير من أصدقائهم الذين كانوا معهم علي قلب رجل واحد منذ ثورة يناير وحتي إجراء الانتخابات الرئاسية وفوز د.محمد مرسي.

تطور الأمر من الغباء إلي العناد بعد أن ظنوا أنهم ملكوا الدنيا وما فيها كما حدث بالضبط في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الأسبق مبارك, فقام بتسليم مصر مفتاح إلي أحمد عز يفعل فيها ما يشاء ليقوم بأكبر عملية تزوير انتخابات في تاريخ مصر الحديثة عام0102 وكرر الإخوان نفس الخطأ في التكويش والاقصاء ورفضوا كل المبادرات والنصائح التي كانت تهدف إلي لم الشمل بدلا من حالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي شهدته الساحة السياسية.

فكانت مبادرة القوات المسلحة في فبراير الماضي التي قبلتها كل الأطراف ورفضتها جماعة الإخوان, ثم كانت مبادرة حزب النور التي قبلتها كل الأطراف أيضا ورفضتها الإخوان كذلك, ثم كانت المهلة قبل الأخيرة التي أعطتها القوات المسلحة وحددتها بسبعة أيام لجلوس الفرقاء والوصول إلي حل, وكان من الممكن أن يناور الإخوان وأن يصلوا إلي حلول وسط غير أن العناد كان هو السيد حتي كانت المهلة الأخيرة والمحددة بثمان وأربعين ساعة, وكان مصيرها هو نفس مصير المهلة الأولي, وهكذا أوصل الغباء ثم العناد الإخوان إلي ما هم فيه الآن بعد أن استجابت القوات المسلحة للملايين التي خرجت في03 يونيو وما بعدها.

كان من الممكن أن يلجأ الإخوان ـ لو أنهم أحسنوا التصرف والتفكير ـ إلي خيار الحسن بن علي حينما رفض الولاية وتنازل عنها لمعاوية بن أبي سفيان طواعية حقنا لدماء المسلمين بدلا من اللجوء إلي خيار عثمان بن عفان الذي رفض التنازل عن الولاية طواعية فكانت الفتنة الكبري وقتله وبدء أول موجة للعنف واسالة الدماء في التاريخ الإسلامي.

لقد سالت دماء كثيرة يوم الأربعاء الماضي كلها دماء مصرية خالصة سواء أكانت من رجال الشرطة أو من الإخوان أو ممن ليس لهم علاقة بهذا أو بذلك ووقعوا ضحايا بالمصادفة, وكان من الممكن تجنب كل ذلك لو أن جماعة الإخوان تخلت عن عنادها واستجابت لمبادرات ما قبل03 يونيو أو حتي لتلك المبادرات التي ظهرت بعد3 يوليو منعا لإراقة الدماء والوصول إلي هذا المأزق.

الآن علي كل الأطراف استيعاب الدرس جيدا فالغباء والعناد هما طريق الهلاك, والحلول الأمنية وحدها لا تكفي, ولابد أن يستكمل الأزهر الشريف مبادرته التي كان قد أطلقها من قبل للحوار والمصالحة بعيدا عن الإرهاب الفكري والابتزاز ومحاولات التشفي والانتقام, وعلي الإخوان ومناصريهم التخلي عن العناد والمكابرة, فالعنف سوف يجلب المزيد من العنف وأراقة الدماء, ولا بديل سوي الانضمام إلي خارطة الطريق التي أعلنتها القوات المسلحة يوم3 يوليو الماضي والتي تتضمن إجراء التعديلات الدستورية علي دستور2102, ثم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وعلي الجانب الآخر يجب أن تستوعب الأطراف الأخري الدرس جيدا ولا يتخيل طرف ما أنه يستطيع التكويش واقصاء الآخرين ويقع في نفس خطيئة الإخوان, ويكرر نفس سيناريو الغباء والعناد باطلاق دعوات الانتقام والتشفي والاقصاء للإخوان ومناصريهم, وعودة المكارثية من جديد والابتزاز الفكري والمعنوي, فمصر للجميع وبالجميع, والدولة الديمقراطية الحديثة لن تقام بغير ذلك.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.