الدعوة السلفية... والقرار التاريخي

حسن بن سالم

نشر في: آخر تحديث:

الحديث في الوقت الراهن حول الحركة أو الدعوة السلفية في مصر، وتسليط الأضواء على بداية ظهورها السياسي في المشهد، يبرز أهميته وضرورته حالياً تبعاً للدور المهم المناط بها في المرحلة المقبلة، كونها أهم وأبرز قوة في تمثيل الإسلام السياسي، ومدى قدرتها على المساهمة بصفتها لاعباً أساسياً في بناء الدولة المصرية على وجه المشاركة مع القوى السياسية كافة، في وقت لا يزال مستقبل جماعة «الإخوان» التي فشلت في إدارة شؤون الدولة يكتنفه الغموض من جهة قبولها أو رفضها المشاركة السياسية، سواء باختيارها أم على رغمها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك عدد من الناس لا يزالون يجهلون الكثير عن الدعوة السلفية في مقابل معرفتهم من وسائل الإعلام والصحف وغيرها طيلة أعوام وأعوام حول جماعة «الإخوان المسلمين»، التي تقع على النقيض منهم تجاه الكثير من المسائل والقضايا كما سيأتي ذكره في مقالة لاحقة.

إن من غير المبالغة القول إن ثورة 25 كانون الثاني (يناير) لم تسفر عن بروز قوة سياسية واجتماعية في المجتمع المصري، بمقدار ما أبرزت التيار أو الحركة السلفية على أرض الواقع، على رغم أن معظم أطيافهم الفكرية لم تكن يوماً جزءاً من الحراك السياسي، وكذلك كانت لها مواقف متباينة تجاه الثورة بين الرفض أو المشاركة المحدودة وهو واقع تؤكده ولا تنفيه.

أدرك السلفيون عمق التغيير الذي أحدثته الثورة في الواقع المصري، وهو ما مكنهم من تحقيق درجة عالية من الحضور المجتمعي، فزاد حضورهم الإعلامي بدرجة عالية بعد أن كان مقتصراً على منابرها الإعلامية، وانفتحت على شرائح مجتمعية كانت بعيدة عنها قبل الثورة، وباتت الظروف مهيأة لها للدخول والمشاركة بصفتها طرفاً فاعلاً في اللعبة السياسية.

كان أمام الدعوة السلفية في الإسكندرية باعتبارها الكيان السلفي الأكبر، والأوسع انتشاراً، والأقوى تنظيماً، والأعمق فكرياً، في ظل هذه التغيرات التي كانت تملك موقفاً قاطعاً على مدى عقود، تمثل في الرفض التام للانخراط والدخول في العملية السياسية، ومن الديموقراطية لاعتبار ديني وواقعي، الإجابة عن سؤال كبير بات مطروحاً في الساحة حول الممارسة السياسية، وهل ستشارك في العملية السياسية أم لا؟ كان أمامها خياران: إما الإصرار على مواقفها السابقة بعدم الدخول في اللعبة السياسية ورفضها، بالتالي ستكون خارج التأثير السياسي، أو القبول بالمشاركة السياسية، ما يعني تحولاً جذرياً في منهجها، ولو قررت المشاركة هل ستكتفي بالوقوف خلف «الإخوان المسلمين»، وحزبهم السياسي، أم ستؤسس حزباً سياسياً؟ وبعد جدل ونقاش، خرجت الدعوة بقرار المشاركة، بل والانتظام بعمق في العملية السياسية، وأسست حزب «النور»، وتبعتها في ذلك القرار غالبية الكيانات السلفية الأخرى وكونت أحزاباً سياسية (الأصالة – التنمية والبناء – الفضيلة). ربما لم يكن هذا القرار مدعوماً بتغطية تنظيرية كافية لتبرير عملية التحول في الموقف من المشاركة السياسية، ولم تسعفها سرعة الأحداث من طرح مراجعات فكرية كافية، في مقابل التفاعل مع التطورات، وهو ما أدى إلى خلق أو وجود منطقة رمادية غامضة بين ما هو ديني وما هو سياسي، فالدعوة السلفية قبل الثورة كان لها خطاب ذو بعد واحد هو البعد الديني، وبعد الثورة وجد مكون مهم هو السياسي الذي تم ربطه بالأول بعلاقة مبتدئة، بل وغير منسجمة أحياناً، ولا يعود السبب في ذلك إلى حداثة مشاركتهم السياسية فحسب، وإنما يعود إلى الاصطدام بمخزون فقهي يقيد طبيعة الممارسة والخطاب السياسي وهو ما انعكس على الكثير من مواقفها لاحقاً.

اعتنى حزب النور منذ تأسيسه حتى بما يتعلق ببعض التفصيلات الصغيرة، حتى إن الدكتور عماد عبدالغفور المؤسس والرئيس السابق لحزب النور وجه أعضاء الحزب وكوادره بمحاولة تغيير الصورة الذهنية التي أخذها الناس عن الإسلاميين بأنهم أصحاب اللحى والجلاليب، وارتداء البدل الكاملة، أو على الأقل القميص والبنطال، وكذلك بإعطائهم دورات وبرامج في السياسة، والقانون والإعلام، واستطاع «النور» وضمن تحالف الكتلة الإسلامية الذي تزعمه «أن يحتل المرتبة الثانية في البرلمان بعد «الإخوان المسلمين» بنسبة 24 في المئة من المقاعد».

كان قرار الدعوة السلفية بالانتظام في الحراك وتأسيسها حزباً سياسياً، له اعتبارات إيجابية مهمة على أرض الواقع هي:

أولاً: أنها تؤكد مسار مراجعات الحركات السلفية التي انتهت في محطتها الحالية إلى البحث عن خيارات الاندماج السياسي، بعد جدل ونقاش حول المشاركة السياسية من داخل الأدبيات السلفية ذاتها، وهو ما يؤكد سيرورة واستمرارية المراجعة لطبيعة مواقفها، وأفكارها وضرورة الاستمرار في مراجعة مفاهيمها تجاه قضايا مهمة كمفهوم الدولة المدنية وفلسفة الديموقراطية.

ثانياً: توسع دائرة المشاركة لمكونات المجتمع في العملية السياسية، وتقلل من حجم الرافضين لها، فتساهم بالتالي في تقوية الديموقراطية، وتضفي على التعددية الفكرية والسياسية الموجودة أبعاداً أخرى بصورة تغنيها وتثري أطيافها.

ثالثاً: إنها تساهم في شكل كبير في رفع التوجس المزدوج: توجس الفاعلين السياسيين والمجتمع من الحركة السلفية بخلفياتها الفكرية والمرجعية، وتوجس السلفيين أنفسهم من العملية السياسية ومكوناتها التي تختلف معهم حول قضايا وأدوات ومسائل عدة.

ومع أهمية كل تلك الاعتبارات السالفة الذكر، يظل من أهم التحديات التي تواجه الدعوة السلفية هو القدرة والاستمرار في التأثير في شريحة كبيرة من المنتمين للتيار الإسلامي وانتشالهم من آفة العنف، وكبح جماح سلوك الفوضى والاندفاع، والاستمرار في تكييف قناعاتها مع مستلزمات ومقتضيات البيئة وقواعد اللعبة السياسية.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.