الحرب الإقليمية المحتملة

سليمان تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:

يسعى الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى تكوين تحالف دولي واسع من أجل القيام بعمل عسكري على سوريا . استخدام السلاح الكيماوي بات مؤكداً في سوريا سواء كان النظام أو أية جهة أخرى، فهو يبقى مسؤولية النظام الذي عليه أن يسيطر على السلاح الذي يحتفظ منه بالكثير . هذه الجريمة ضد الإنسانية المصنفة في القانون الدولي هي ذريعة كافية لاستنفار الدول والرأي العام، ولو أن جرائم أخرى كبرى وقعت وتقع كل يوم على الأرض السورية من دون أن يكون ممكناً محاسبتها .

تراجع الرئيس الأمريكي في اللحظة الأخيرة عن توجيه ضربة عسكرية محدودة قرّرها وأعد لها، لكنه لم يقرر إلغاء العملية العسكرية بل الإعداد لها أكثر . يريد تأمين حشد واسع سياسي مؤيد ويريد أن يحتاط لاحتمالات ردود الفعل التي باتت متوقعة من التحالف الآخر . فالتهديد المتكرر “بإشعال المنطقة” يجب أن يؤخذ على محمل الجد، ولو أن له أكثر من تفسير وأكثر من شكل . ففي دول الجوار يمكن لتحالف النظام أن يوجّه ضربات عسكرية في الأردن وتركيا ولبنان والكيان الصهيوني . إن رد فعل كهذا إذا وقع لا تواجهه الحرب عن بعد بواسطة الصواريخ، وقد يفرض شكلاً من أشكال الحرب البرية مباشرة من الأمريكيين أم بواسطة حلفائهم .

لذلك وخلافاً للادعاءات التي اعتبرت الأمريكيين والغرب في حالة انهزام فهم يعدون لمثل هذه الاحتمالات وربما كانوا أكثر تصميماً على توسيع نطاق المواجهة . ومن المعروف أن الحرب في سوريا قد استقطبت الكثير من الدول والقوى، وإن المداخلات الخارجية متشعّبة فيها، وصار للغرب ذريعة أكثر وضوحاً من خلال المشاركة الإيرانية المباشرة و”حزب الله” . فإيران تتصرف على أنها الطرف القيادي في هذه المواجهة، وهي التي تمارس فعل التهديد أكثر من الجانب السوري نفسه . طبعاً هناك الكثير من التهويل في الحديث عن تدمير الدولة العبرية، لكن احتمالات توجيه ضربات مدمرة أمر جدي ما قد يخلط الأوراق ويعبث في مسرح الشرق الأوسط كله، ويجعل الأمور خارج السيطرة . فمن مصلحة إيران أن تدخل الدولة العبرية طرفاً في هذا الصراع لكي تكون النتائج والحلول شاملة الملفات الأساسية كلها وليس فقط ملف الأزمة السورية الداخلية . وحين يصرح وزير خارجية روسيا (لافروف) أن الضربة العسكرية قد تُلغي “جنيف 2” فهو يعني أن الاشتباك الإقليمي الواسع يجعل الكثير من القضايا والملفات والنزاعات عند نقطة الصفر، ويستدعي بحثاً آخر ومعالجة مختلفة عن التفاهمات العامة الفضفاضة (لجنيف 2) بين الروس والأمريكيين .

لكن الوضع السوري بات أزمة إنسانية غير مسبوقة من التدمير المنهجي لمقومات المجتمع والدولة . وكل التحوّلات الميدانية لمصلحة هذا الطرف أو ذاك لا توحي بأي حسم عسكري، وهي موجات من التقدم والتراجع، بحيث توسع مضاعفات هذه الحرب على صعيد الكوارث الإنسانية والمادية . فبعد سنتين ونصف من طموحات النظام ومعاركه لحسم الموقف عسكرياً لا يزال في حدود نصف الجغرافيا السورية . وكذلك المعارضة المسلحة التي تسيطر على جزء من الأرض من دون القدرة على حمايتها . لقد أصبحت سوريا مسرحاً لحروب إقليمية ودولية بواسطة الشعب السوري، وقد تكون محرقة الألفية الثالثة بامتياز نتيجة إصرار الفرقاء الخارجيين على تحقيق أهداف أبعد من سوريا، يقال إنها تطاول الأمن الإقليمي والنفط والغاز وتصل إلى بناء نظام دولي جديد .

ففي مصلحة الدول أن تدفع سوريا هذا الثمن حتى لا تنتقل الصراعات إلى مناطق أخرى . لكن ذلك لن يكون مضموناً وقد صارت هذه النزاعات تطاول دول الجوار . ولم يكن الرئيس الأمريكي ليضع نفسه في هذا الموقع الحرج من التهديد بعمل عسكري لو أن الأمريكيين والغرب بلوروا أفكارهم حول تسوية جنيف السياسية الموعودة . فمن الظاهر أن تلك التسوية كانت تستند إلى توازنات ميدانية وهي مازالت غير مكتملة . وإذا كان الطرفان المتنازعان يريدان ذلك فإن موجات العنف والحرب في سوريا ستستمر إلى أجل طويل، وقد تكون فعلاً مدخلاً لحرب إقليمية لا نعرف مداها .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.