مسئولية المجتمع عن شباب الإخوان

عبدالغفار شكر

نشر في: آخر تحديث:

يواجه المجتمع المصري هذه الأيام أوضاعا بالغة الخطر والصعوبة‏,‏ وقد أدخلت قيادة جماعة الإخوان البلاد في مواجهات عنيفة تمسكا منها بسلطتها التي أسقطها الشعب في ‏30‏ يونيو‏.‏

وشنت حربا ضارية علي مؤسسات الدولة, ونظمت أنشطة متعددة للإستيلاء علي المنشآت الحيوية وتعطيل المواصلات وتصدير التوتر إلي مناطق عديدة من المدن الكبري وعواصم المحافظات, وفي هذا السياق تم ارتكاب العديد من الجرائم مثل قتل أفراد الشرطة في قسم كرداسة ومراكز ونقاط الشرطة في الفيوم والمنيا وإحراق وتدمير عشرات الكنائس, وقتل مئات المواطنين وأصيب الآلاف سواء كانوا مدنيين أو من أفراد الشرطة. ونتيجة لهذه المواجهات الدامية والأعمال العنيفة تعمق الانقسام والاستقطاب في المجتمع بين الجماعة وحلفائها وبين المجتمع والدولة, وإنعكس هذا الاستقطاب علي وسائل الإعلام وعلي آراء ومواقف الأحزاب السياسية والحركات الشبابية والمنظمات المدنية وذوي الرأي والفكر في البلاد.

ويتجه المجتمع تدريجيا إلي تبني مواقف حادة تدين كل من شارك في المظاهرات التي نظمها الإخوان وحلفاؤهم, والأعمال التخريبية التي تمت خلال الفترة من3 يوليو حتي الآن. ولا تفرق هذه المواقف بين قيادات الجماعة وحلفائها ومسئوليتهم الكبري عن هذه الأحداث والجرائم وبين شباب الجماعة الذين شاركوا بدرجة أو بأخري في هذه التحركات والأنشطة. وخير دليل علي عدم التمييز بين قيادات الجماعة وأعضائها ما تحفل به البرامج الحوارية في قنوات التليفزيون والتحقيقات والمقالات التي تنشرها الصحف حول ضرورة استئصال الجماعة وأمثالها بإعتبار أن ماقامت به هو جريمة كبري في حق الوطن, ويعزز من هذا التوجه في إدانة الجماعة مطالبة قياداتها بالتدخل الخارجي في شئون البلاد الداخلية لإجبار الشعب المصري علي إستعادة الإخوان لسلطتهم التي فقدوها بسبب سوء إدارتهم لمؤسسات الدولة, وتغليب مصلحة الجماعة علي المصالح العليا للشعب المصري وإستقلال البلاد.

ليس من مصلحة الشعب المصري أن يسود هذا الموقف لفترة طويلة, وأن نعامل الكل دون تمييز بين حجم المسئولية التي يتحملها كل منهم. وذلك أن المسئولية الكبري تقع علي عاتق القيادة العليا والقيادات الإقليمية للجماعة التي إتخذت هذا النهج العنيف وأدخلت البلاد هذا المأزق بسبب تكالبها علي السلطة وكانت المحرض الأساسي علي جرائم القتل وأحداث العنف والتخريب التي شهدتها البلاد. وقد تم القبض علي عدد كبير من هذه القيادات بأوامر من النيابة العامة للتحقيق معهم في تهم محددة وسوف يتولي القضاء محاكمتهم وفقا للقانون وإدانة من يثبت إرتكابه لهذه الجرائم.

ومن واجب المجتمع في هذه اللحظة بالذات أن يميز بين القيادة العليا والإقليمية ومسئوليتها فيما جري وضرورة محاكمتها علي جرائمها وبين شباب جماعة الإخوان الذين تحركوا وشاركوا في الأحداث بأوامر من القيادة يدفعهم إلي هذا أسلوب التربية السائد داخل الجماعة والذي يقوم علي السمع والطاعة, وكذلك قناعتهم بأنهم يدافعون عن الإسلام طبقا لما ينقل إليهم من القيادة من أكاذيب. وإذا كان هؤلاء الشباب قد شاركوا في مظاهرات ومسيرات واعتصامات إحتجاجا علي عزل الدكتور محمد مرسي وبدء عملية سياسية جديدة أساسها خريطة الطريق, فإن المجتمع مطالب بتوضيح الحقائق لهم وإخراجهم من العزلة التي فرضتها عليهم قيادة الجماعة بإسلوب التربية السائد فيها. إننا أمام مئات الألوف من الشباب المصري الذين يتصرفون من منطلق إيمانهم بأفكار الجماعة وتوجهاتها السياسة, ونخطئ كثيرا إذا تصورنا أنهم يمكن أن يغيروا أفكارهم بين يوم وليلة لمجرد أن أغلبية الشعب تري أن الجماعة تسير في طريق خاطئ. ومن واجب المجتمع أن يهتم بالتعامل مع هؤلاء الشباب بإعتبارهم ضحايا لأسلوب التنشئة السائد في الجماعة, وأيضا الإعتراف بحقهم في تبني ما يرون من أفكار. وأن نعمل في نفس الوقت علي تنظيم حوارات حقيقية معهم حول التطورات التي تشهدها البلاد وحول مسئوليتهم عن تجنيب البلاد مخاطر الإنقسام والمواجهات العنيفة وما يترتب عليها من خسائر بشرية ومادية, ومن المهم أن يشارك في هذا الحوار علماء إجتماع ومتخصصون في علم النفس والتربية وقادة الرأي والفكر ذوي المصداقية في المجتمع. وأن نأخذ هذه العملية بالجدية الواجبة لأنها تستهدف أساسا حماية هذه الثروة البشرية من شباب مصر من الإنحراف إلي العنف, خاصة أن تفكك التنظيم وافتقادهم العلاقة المنتظمة مع قيادات التنظيم سوف يدفع بالقطع بعضهم إلي إنتهاج العنف وسيصبح هؤلاء بمثابة قنابل موقوته قابلة للإنفجار في أي لحظة نتيجة اليأس. ويكتسب أهمية خاصة في هذا الصدد عدم إهانة من يقبض عليه منهم ومعاملتهم بما يتفق مع حقوق الإنسان وسيادة القانون والحفاظ علي كرامتهم أثناء التحقيق مع من يقبض عليه منهم والإفراج عنهم فورا إذا كان المنسوب إليهم مجرد الإشتراك في مظاهرة أو مسيرة. بهذا نحمي بلدنا من مستقبل محفوف بالمخاطر.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.