عاجل

البث المباشر

عمرو خفاجي

<p>كلتب مصري</p>

كلتب مصري

حروب النصر المأمُول

حينما خاضت مصر حرب أكتوبر ١٩٧٣، كانت تبحث عن انتصار أوسع بكثير من فكرة الانتصار العسكرى، صحيح أن فكرة وجود أراض محتلة من أراضيك، يفرض عليك الغليان الدائم حتى تتحرر هذه الأراضى، وأكيد أن تحرير الأرض هدف رئيسى للمعركة وهو الانتصار المباشر الذى كانت تبحث عنه مصر، لكن أيضا كانت هناك معارك أخرى كنا فى حاجة لتحقيق انتصارات بها، فالشعب الذى اغتصبت أرضه وفرض عليه القتال، بالتأكيد دفع ثمن ذلك من راحته ومن حاجته الضرورية، وبالتالى فقد سبل العيش الكريمة والسهلة، وتلك كانت الانتصارات التى حاولت الدولة المصرية تحقيقها من أجل رفاهية ورخاء المصريين، وربما كان هناك وعد وعهد شهير للرئيس الراحل أنور السادات، بأن عام ١٩٨٠ هو عام الرخاء، بعد أعوام الحرب وإعادة افتتاح قناة السويس، وإعادة الروح للحياة الحزبية (المنابر) ثم أعوام التفاوض ومعاهدة السلام، وأيا كان الاتفاق أو الخلاف حول ذلك كله، فإن المعنى الحقيقى للانتصار والفوز بالمعارك والحروب، هو منح الرخاء للمواطنيين، وهى النتيجة التى كان يتمناها السادات لحرب أكتوبر.

ونحن نعيش الآن ذكرى هذه الانتصارات، أعتقد أنه من الواجب علينا أن يكون لنا أجندة واضحة بمعايير النصر المأمول تحقيقه فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلادنا، فالرخاء الذى كان يبحث عنه السادات ويرغب فى إنجازه لم يتحقق حتى الآن، وإن كامت جهوده السياسية قد نجحت فى التخلص من اقتصاديات الحرب، ومهدت الطريق لاقتصاد واعد، بددته سياسات خاطئة وخائفة وبطيئة وبليدة (النصف الأول من حكم مبارك)، وتبعتها سياسات شريرة محتكرة ومتحكمة فى الثروة، فأطاحت بالرخاء نهائيا من أفق الغالبية (السنوات الأخيرة من حكم مبارك) ثم سياسات عشوائية متخبطة غبية ومضطربة ومضطرة تحت أية ضغوط، حتى لو كانت ضغوطا غير حقيقية، تحكمت فى المشهد بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، لذا يكون من الضرورى أن تكون فى مقدمة أجندة النصر المأمول، خطة اقتصادية مكتملة المعالم تستهدف رخاء الغالبية، عبر عدالة اجتماعية متفق عليها.

النصر المأمول، أن نتخلص من الحالات المؤقتة والانتقالية والاحتياطية، ونذهب إلى مرحلة ديمقراطية مستقرة تتسم بالديمومة، وهى المرحلة التى، ستؤسس بالضرورة، للنهوض بالدولة المصرية على كل الأصعدة بدءا من التعليم والصحة، نهاية بما نعتقد الآن أنه من نوافل القول مثل القضايا البيئية والجمالية، هذا النصر الذى نأمله لن يتحقق بقرارات فوقية، أو أوامر علوية، لأن زمن التنمية عبر الاستبداد قد ولى، وعهد النهوض بفاشية وطنية صار لا يليق بشعوب متحررة حقا، فلا يبقى أمامنا، نحو تحقيق هذا النصر، سوى الإخلاص لقيم الحرية والإيمان الراسخ بكل قواعد الديمقراطية، ولن يتحقق كل ذلك إلا عبر توافق سياسى ووعى نخبوى وبعقيدة وطنية مصرية خالصة، تحظى بإجماع، يشبه الإجماع على ضرورة تحرير الأرض، إننا نريد لحظة مشابهة للحظة الإصرار على الحرب التى سبقت أكتوبر ١٩٧٣، لا أبالغ لو قلت إننا فى حالة حرب حقيقية مع واقع صعب ملتبس، إن لم نهزمه سيلتهمنا بسهولة، حرب مع أفكار عفنة تجذبنا للماضى، بينما لا أمل لنا فى النجاة سوى العبور نحو المستقبل الذى نخاصمه دوما من دون أية أسباب مفهومة، وأعتقد أن البداية من هنا.. من الصلح مع المستقبل من أجل تحقيق ذلك النصر المأمول.


نقلاً عن صحيفة "الشروق"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات