الأسئلة البسيطة

عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي

نشر في: آخر تحديث:


نعود إلى البدايات: لا سبيل لمقاومة تغييب الطلب الشعبى على المعلومة والحقيقة ولمواجهة عمليات تشويه وتزييف الوعى المقترنة عادة بنظم الحكم الاستبدادية والسلطوية أو بموجات الفاشية أو بالأزمات الحادة للديمقراطيات المستقرة أو بتعثر مسارات التحول باتجاهها، إلا بدفع المواطن تدريجيا للبحث عن المسكوت عنه فيما تروج له نخب الحكم والقوى السياسية والمجتمعية المتحالفة معها ومن ثم تحفيزه للتساؤل النقدى عن مجريات الأمور وحقائق الأوضاع فى الدولة والمجتمع المعنيين.

وفى مصر اليوم، وبها ما بها من غياب الطلب الشعبى على تداول حر للمعلومات وتشويه وتزييف للوعى، ليس أفضل من العمل على دفع مجموعات (ولو محدودة العدد) من المواطنات والمواطنين للبحث عن المسكوت عنه فى الخطاب الرسمى الصادر إن عن الدولة ومؤسساتها وأجهزتها أو عن القوى السياسية والمجتمعية المشاركة فى ترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ أو عن وسائل الإعلام المؤيدة لها. وليس أفضل من التوعية والتحفيز على طرح الأسئلة البسيطة والمباشرة عن الشأن العام والسياسى للبحث عن المسكوت عنه. وللمواطنة المهتمة وللمواطن المهتم، أسوق ومن واقع المتداول فى المساحة العامة اليوم بعض الأمثلة على الأسئلة البسيطة والمباشرة هذه:

١ــ بعد أحداث الحرس الجمهورى أعلن رئيس الجمهورية المؤقت عن تشكيل لجنة لتقصى الحقائق. أين هى اللجنة اليوم وما هو مصيرها؟

٢ــ بعد اعتماد التشكيل الحالى للمجلس القومى لحقوق الإنسان أعلن المجلس عن الشروع الفورى فى مهام لكشف الحقائق بشأن جميع الأحداث منذ ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ولم يستثن فض اعتصامى رابعة والنهضة. أين تقارير المجلس عن الأحداث هذه وهل ستعرض على الرأى العام فى موعد قريب وهل تتعاون الدولة ومؤسساتها وأجهزتها لكشف الحقائق؟

٣ــ أقرت الحكومة مشروع قانون التظاهر وأرسلته إلى رئيس الجمهورية المؤقت. وبعيدا عن تقييمى الشخصى للمشروع الذى أراه صريح الطبيعة التقييدية والقمعية، ما هى الاختلافات الجوهرية أو الفرعية بين مشروع القانون المقدم من حكومة الدكتور الببلاوى وبين مشروع قانون التظاهر الإخوانى الذى حاولت الجماعة تمريره فى مجلس الشعب ثم فى مجلس الشورى، علما بأن مشروع الإخوان رفضته حينها جميع الشخصيات والقوى المشاركة اليوم فى الحكومة أو المؤيدة لها؟

٤ــ يبدو أن لجنة الخمسين المعينة لتعديل الدستور فى طريقها للإبقاء على المحاكمات العسكرية للمدنيين ويدافع «المتورطون الجدد» فى تزييف الوعى عن المحاكمات العسكرية متذرعين بضرورات مواجهة الإرهاب الذى يستهدف الجيش والمنشآت العسكرية ومقتضيات الأمن القومى. أليس بالقوانين المصرية (العقوبات والإجراءات الجنائية) من النصوص ما يكفى تماما للمحاسبة الناجزة والعادلة لأى مدنى يتورط فى ممارسة الإرهاب أو العنف أو الاعتداء على مؤسسات الدولة أو جيشها أو منشآتها العسكرية والأمنية، ألا تقضى هذه النصوص من ثم على التبرير المقدم لمواصلة محاكمة المدنيين عسكريا؟

٥ــ أصبحت السياسة اليوم ميدانا للإقصاء ولإضفاء شرعية على الحلول الأمنية، وتحولت مضامين مثل التوافق المجتمعى والسلم الأهلى والعدالة الانتقالية والحلول التفاوضية وهى فى صلب ممارسة السياسة كنشاط عقلانى يستهدف تحقيق الصالح العام فى دول ومجتمعات تسعى للتحول الديمقراطى والابتعاد عن دوائر العنف الكارثية إلى كلمات ومفردات سيئة السمعة. هل تمتلك الأصوات الرسمية التى لا ترى إلا الحلول الأمنية ومجموعات المتورطين الجدد فى تزييف الوعى التى لا تروج إلا للإقصاء وللإجراءات الاستثنائية دليلا واحدا (واحدا فقط) على نجاح الحلول الأمنية فى تحقيق التوافق المجتمعى والسلم الأهلى فى أى بقعة من بقاع الأرض؟ وعلى أصحاب المعلومات غير الدقيقة وأنصاف الحقائق الذين يتداولون مثال الجيش الحمهورى الأيرلندى كدليل على نجاح الحلول الأمنية أن يراجعوا معلوماتهم ليكتشفوا أن حل المشكلة الأيرلندية لم يحدث إلا بعد أن تخلت الحكومة البريطانية عن مواجهة العنف بالعنف وبدأت فى التفاوض مع من صنفتهم سابقا مجرمين وإرهابيين.

غدا أواصل طرح قائمة الأسئلة البسيطة للبحث عن المسكوت عنه وغدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر. كل عام وأنتم بخير.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.