دور الجيوش الوطنية في تدعيم الديموقراطية

السيد ياسين

السيد ياسين

نشر في: آخر تحديث:

حاولت في المقال الماضي «الخروج الشعبي تصحيح لمسار التاريخ» أن أحلل ظاهرة خلتها جديدة تماماً على الساحة السياسية في مختلف أنحاء العالم. وهذه الظاهرة تتمثل في التأليف الخلاق بين مفهوم الثورة والانقلاب!

ونحن نعرف من تراث العلوم الاجتماعية أن الثورة التي تقوم بها الجماهير بشكل تلقائي هي -بحسب التعريف- نقيض الانقلاب العسكري الذي تقوم به بسبب أو لآخر القوات المسلحة في بلد ما. غير أن ما حدث في 30 يونيو من خروج شعبي بالملايين لإسقاط الحكم «الإخواني» الاستبدادي اقترن في هذه الحالة بتدخل حاسم من القوات المسلحة المصرية لتدعيم الإرادة الشعبية. وهذه الواقعة المثيرة والتي بدت غير مسبوقة، أثارت العديد من الجدل داخلياً وخارجياً حول توصيف ما حدث في 30 يونيو و3 يوليو، ثورة أم انقلاب؟

وحين تعرضت للموضوع في مقالي السابق أطلقت على ما حدث «الانقلاب الشعبي»، بمعنى أنه كان خليطاً من ثورة شعبية ودور عسكري في الوقت نفسه، لو طبقنا التعريفات الشكلية للانقلابات العسكرية.

وقد تنوعت استجابات قرائي الكرام على اجتهادي في هذا الصدد، فتقبله بعضهم تماماً، وتحفظ عليه البعض الآخر، ورفضه فريق ثالث.

وربما كان التعليق الرافض، الذي لفت انتباهي بشدة تعليق إحدى قارئاتي الفضليات وهي تطلق على نفسها اسم «اسكندرانية»، وهى حقوقية تعمل محامية. وقد تعودت على نقد أطروحاتي الفكرية بانتظام. وقد جعلت عنوان تعليقها «الانقلاب الشعبي»، وقالت بنص عباراتها «هذا المصطلح الانقلاب الشعبي الذي أطلقته على يوم 30-6 (الخطاب هنا موجه لكاتب المقال، لا يعدو أن يكون محض خيال، لأنه لا توجد في كتب النظم السياسية ما يسمى بالانقلاب الشعبي، لأن الانقلاب يكون عسكرياً والثورة تكون شعبية، أما انقلاب شعبي لم نسمع عنه من قبل. مصطلح انقلاب شعبي ينطلي على العامة أما علينا لا يمكن أن يمر مرور الكرام. الزمن سيكشف من هم الأبواق يا دكتور».

والقارئة الكريمة محقة تماماً في نقدها – بغض النظر عن اتهاماتها المكررة لعدم موضوعية الكاتب- وذلك لأن كتب النظم السياسية تفرق تفرقة حاسمة بين الثورة، لأنها كما قالت تماماً عادة ما تكون شعبية، أما الانقلاب فعادة ما يكون عسكرياً. غير أنه فاتها أن كتب النظم السياسية التي رجعت لها لم تعالج سوى النموذج المعرفي التقليدي والذي يميز تمييزاً قاطعاً بين الثورة والانقلاب. غير أنه تبين لي- بعد نشر مقالي الماضي- أن الأبحاث الحديثة في علم السياسة -والتي لم أكن أطلعت عليها- تجاوزت هذا النموذج المعرفي التقليدي، ونحتت مصطلحاً جديداً قد يصدم عامة القراء وهو «الانقلاب العسكري الديموقراطي». وحتى يكون حديثي موثقاً بصورة علمية، أقرر أنني رجعت في هذا الموضوع أساساً إلى بحث مطول نشره على شبكة الإنترنت الدكتور «أوزان فـارول» أستاذ القانون بجامعة «هارفارد» الأميركية العريقة، وقد نشره أساساً في مجلة «هارفارد» للقانون الدولي مجلد رقم 53 (عام2012). وقد قدم في هذه الدراسة الفريدة نظرية متكاملة عن «الانقلاب العسكري الديموقراطي»، بناها على أساس دراسة ثلاث حالات Case Studies، هي الانقلاب العسكري في تركيا عام 1960، والانقلاب العسكري في البرتغال عام 1974، وما تطلق عليه الدراسة الانقلاب العسكري الذي وقع في مصر عام 2011، ويعنى به المؤلف تسلم القوات المسلحة المصرية السلطة من الرئيس السابق مبارك بعد إجباره على التنحي.

وأعترف أنني دهشت للغاية بعد قراءتي هذه الدراسة العلمية الرصينة، لأنني حين اجتهدت وصككت مصطلح «الانقلاب الشعبي» لم أكن أعرف شيئاً عن هذه النظرية التي تحتاج في الواقع إلى تأمل وتحليل عميق، نظراً لما تقدمه من إبداعات نظرية غير مسبوقة. والسؤال هنا كيف قدم الدكتور «أوزان فـارول» أستاذ القانون بجامعة «هارفارد» لدراسته المثيرة التي تتضمن تجديداً معرفياً عميقاً؟ يقول في مقدمة الدراسة وأنا أقتبس بالنص «في 11 فبراير من عام 2011 أمسكت القوات المسلحة المصرية زمام السلطة بعد أن أخذتها من الرئيس «حسنى مبارك» في انقلاب عسكري. وقد تم الانقلاب استجابة لموجات الاحتجاجات العنيفة التى استمرت حوالي ثمانية عشر يوماً، وقام بها مئات الألوف من المواطنين المصريين طالبين القضاء على نظام «مبارك» المستبد والفاسد واستبداله بنظام ديموقراطي. وكانت المظاهرات إلى حد كبير للغاية غير إيديولوجية، وقد ضمت صفوف المتظاهرين كل أطياف المجتمع المصري نساء ورجالاً، مسلمين وأقباطاً، علمانيين وإسلاميين، الفقراء والأغنياء، كلهم تشابكت أياديهم في ميدان التحرير في صيحة عارمة من أجل الحرية والديموقراطية بعد عقود من الحكم الديكتاتوري.

وهذه الصيحات استجابت لها ليست قوى أجنبية، ولكن القوات المسلحة المصرية التي أمسكت بمقاليد السلطة من «مبارك» وسيطرت على الحكومة.

وقد أدى سقوط «مبارك» إلى موجات من الترحيب حول العالم. لأن حجر زاوية التغير في العالم العربي وهي مصر أعطت أملاً للشعوب العربية المقهورة في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها للثورة ضد قاهريها.

وقد لقيت القوات المسلحة المصرية الثناء المستحق، لأن قادتها رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين أثناء المظاهرات، وتقدموا وسيطروا على الحكومة حين رفض «مبارك» التنحي. ويواصل الدكتور «فـارول» الحديث فيقول «إن الرئيس أوباما» أثني على القوات المسلحة المصرية، لأنها «تصرفت بوطنية وبمسؤولية محافظة على كيان الدولة، وأبدى ثقته في أن القوات المسلحة، «ستضمن انتقالاً للسلطة ستكون له مصداقية في عيون الشعب المصري»- انتهى الاقتباس المباشر من دراسة الدكتور «فـارول».

وهو -بعد هذه المقدمات – يقرر أن الانقلاب العسكري المصري الذي تم عام 2011 يكسر في الواقع سلسلة الانقلابات العسكرية التقليدية. وذلك أنه تاريخياً، فإن الضباط الذين كانون يقومون بانقلاب كانوا متعطشين بشدة للسلطة والحكم، وخصوصاً في أميركا اللاتينية وأفريقيا، حيث سعوا إلى قلب النظم الموجودة حتى يحكموا بلادهم إلى ما لانهاية!

وهو يقرر أن مصطلح الانقلاب المشتق من كلمة فرنسية هي Coup D’état، ساد الإجماع في كل الدراسات السياسية السابقة أنه بحسب التعريف مضاد للديموقراطية. ومن هنا يقرر الدكتور «أوفـال» صاحب هذه الدراسة المثيرة إن تعبير «انقلاب عسكري ديموقراطي» يبدو لأول وهلة بالغ الغرابة، إن لم يكن يتضمن تناقضاً رئيسياً! غير أن النظرية الجديدة التي يقدمها هي أنه ليست كل الانقلابات العسكرية مضادة للديموقراطية، لأن هناك انقلابات قامت بها جيوش وطنية استجابة لمطالبات شعبية بالقضاء على نظام شمولي أو سلطوي، حتى تفتح الطريق -بعد مرحلة انتقالية قصيرة- أمام الديموقراطية الحقيقية. هذه النظرية تستحق أن نتابع مقدماتها المثيرة ونتائجها البالغة الأهمية!

* نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.