عاجل

البث المباشر

الحقوق تنتزع ولا تمنح

يقاس مقدار تقدم الآليات الديمقراطية للأمم بقدرة الأفراد على التأثير فى السياسات العامة من خلال الآليات السياسية الديمقراطية، سواء من خلال الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات أو غيرها من مؤسسات المجتمع المدنى، وفى حالة لجوء السلطة الحاكمة إلى منع أو عرقلة قدرة الأفراد على اختلافاتهم فى التأثير أو تغيير السياسات العامة، يلجأ المواطنون لاستخدام آليات ديمقراطية أخرى، سواء من خلال التظاهر أو الاعتصام أو الإضراب للتعبير عن مطالبهم، وفى حالة قيام السلطات بسد المجال الديمقراطى ومنع المواطنين من التأثير فى تلك القرارات، واتخاذ السلطات القرارات العامة منفردة دون النظر لمصالح المواطنين تقوم دولة الاستبداد، وهنا لا يصبح أمام الشعب سوى الثورة على هذا النظام وتغييره.

والتظاهر من الحقوق التى اعترفت بها الحضارة البشرية وأقرتها باعتبارها حقًا فى التعبير عن الرأى، لا يجوز انتزاعه، ويجب أن ينظم القانون كيفية اقتضاء المواطنين لهذا الحق، وعقوبة من يمنعهم أو يحول بينهم وبين هذا الحق، مثله كباقى الحقوق، كالحق فى الصحة والتعليم وسلامة الجسد والبيئة الملائمة، وبالتالى لا يعترض الثوار على تنظيم اقتضاء هذا الحق بمقتضى قانون، لكن حقيقة ما يحدث أن السلطات الحاكمة فى مصر أصدرت قانونًا يحظر هذا الحق ويحول بين المواطنين وبين اقتضائه من خلال إجراءات معقدة وسلطات واسعة للأجهزة التنفيذية فى منع وتغيير سير المظاهرات دون حتى رقابة مسبقة للقضاء، بل جرّم القانون الحق فى الاعتصام تمامًا، وهى أمور غير مقبولة.

وكم كنت سعيدًا عندما أعلن مجلس الدفاع الوطنى عدم تصديق رئيس الجمهورية على قانون التظاهر الذى اقترحته الحكومة إلا بعد إدارة حوار مجتمعى حوله مع الأحزاب والشخصيات العامة والمؤسسات الحقوقية، واعتبرتُها طريقة موفقة تمكن القوى الفاعلة فى المجتمع من التأثير فى القرارات العامة فى حالة عدم وجود برلمان، وازدادت سعادتى عندما أعلنت اللجنة المكلفة بالحوار بمجلس الوزراء توصياتها بعد تلك اللقاءات بأن القانون الجنائى فيه من القواعد المنظمة للتظاهر ما يكفى، وأن هناك إجماعا على أن القانون يمس حريات المواطنين، وأوصت اللجنة بتأجيل النظر فيه لحين وجود سلطة تشريعية منتخبة لها صلاحية إصدار مثل تلك التشريعات.

ورغم أن الجميع افترض أن تأخذ رئاسة الجمهورية بهذه التوصية، إلا أن ما حدث من إصدار القانون بهذه الصورة يعنى أنه لا توجد نية جدية للحوار، وأن الحوار لم يكن إلا مجرد دعاية إعلامية استكمالاً لديكور ديمقراطى افتضح أمره.

وحين سدت كل وسائل التأثير فى القرارات من خلال الآليات السياسية الديمقراطية لم يعد أمام الثوار سوى انتزاع حقوقهم مستندين للدستور المعطل والدساتير التى سبقته وحتى الدستور الذى تتم كتابته الآن، ونظموا وقفة احتجاجية أمام مجلس الشورى لإعلان اعتراضهم على مادة المحاكمات العسكرية فى الدستور دون اللجوء لإجراءات القانون التى تفرغ الحق من محتواه وتجعل المتظاهرين تحت رحمة من يتظاهرون ضدهم، فهم من يوافقون أو يرفضون التظاهر، واتفق الداعون للوقفة من الشخصيات المعروفة إعلاميًا على أنه فى حالة إلقاء القبض على المتظاهرين يقوم الداعون للوقفة بتسليم أنفسهم للنائب العام باعتبارهم شركاء فى هذا الجرم الذى نراه حقًا.

لن يدع أى منا المرض ليخفف العقاب، ولن يتخفى أى منا ليرتدى نقابًا أو يطلق لحية «دوجلاس»، فنحن نتحمل نتيجة أفعالنا، نعم نحن كسرنا قانون التظاهر بعد أن اكتشفنا أن السلطة لا تريد سوى استنساخ الاستبداد، ونعم سنكسره مرات أخرى وسنسعى لإسقاطه عن طريق كسره يوميًا فى الشوارع، مؤمنون بحقنا الذى تسلحنا به حين لم يحم قانون الطوارئ مبارك ونظامه، وموقنون بأن من يسعى لتنفيذ القانون علينا هو وزير داخلية مرسى، لا مكان له فى بلادنا إلا بجانب من عينه فى السجون، وأننا إذا كنا شجعانًا عند تمسكنا بحقوقنا علينا أن نكون أشجع عند دفع الثمن، فالنصر حليفنا، ولطالما بدأنا قلة مضطهدة وانتهى بنا المطاف منتصرين.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات