عظمة "أبوالنجوم"

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

لا يمكن لأى مراقب أو راصد للحركة الأدبية أو الوطنية، أن يختصر أحمد فؤاد نجم فى تعريفه بالشاعر، أو بالمحرض، فحقيقة أحداث ما يقرب من ستين عاما تقول لنا أن أحمد فؤاد نجم أو «أبوالنجوم» كما كان يلقبه القريبون منه (وهم كثر) حالة خاصة فى الحياة المصرية، سواء الأدبية أو السياسية، وكان أثر الرجل واضحا فى العديد من الأجيال معلما وقائدا والأهم صديقا وإنسانا، قادرا على صنع حياة مدهشة للجميع، ولا أعتقد أنه يوجد طالب فى مصر لم يتأثر بأبوالنجوم، حتى الذين قاوموه واعترضوا عليه، كانوا لا ينكرون قيمته وقامته، وكان جيلنا قد استلم الرجل من جيل حركة الطلبة (حركة ٦٨) زعيما وملهما للنضال، ليس فقط من أجل الحريات، ولكن من أجل أن تكون مصر أفضل، وهذه عظمة «أبوالنجوم» الحقيقية.

دولاب ذكريات الرجل كبير بالفعل، ولا يمكن الإشارة إليه بشكل عابر، إلا أن التوقف عند انحيازه للفقراء ضرورة قصوى، وأذكر فى المرة الأولى التى قرر فيها أبوالنجوم رواية طرف من حياته وذكرياته، اختار رفيق عمره وزميل بعض من سنوات سجنه، القاص والمترجم إبراهيم منصور برعاية الشاعر إبراهيم داود، كان النقاش يحتدم فى كل لقاء خاص بتسجيل الذكريات، كان أبوالنجوم يتعمد إسقاط كل حكايات المشاهير من رصده لحياته، كان الفقراء والبسطاء فى واجهة ذاكرته وفى مقدمة ذكرياته، وحينما اختار إبراهيم منصور كلمة «الفاجومى» عنوانا للذكريات، لم يعترض نجم على العنوان، وقال «والنبى ما تنساش أمى يا عم إبراهيم» فخرجت المذكرات بعنوان «الفاجومى ابن هانم» ونشرت فى جريدة الوطن الكويتية فى نهاية سنوات الثمانينيات، قبل عدة سنوات من كتاب مؤرخنا الصحفى الكبير صلاح عيسى والذى حمل عنوان «الفاجومى» فقط، وهو نفس العنوان الذى كتبه نجم لجزء آخر من ذكرياته، نشرها فى مجلة روزاليوسف فى منتصف التسعينيات، وكان لى شرف مراجعتها ومتابعة نشرها.

ولأن أبوالنجوم حالة خاصة بالفعل، ولا يمكن اختصاره فى شىء على وجه التحديد، كان الرجل فنانا من طراز فريد، موهبة لا حدود لها، كانت لديه قدرة عجيبة على كتابة الموسيقى، وأذكر ذات مرة أنه كان يستمع لمقطوعة من تأليف الموسيقار ياسر عبدالرحمن، وعلق قائلا «دى مش مزيكا دى ليلة عشق»، وكتبها فعلا كأغنية تحمل نفس الأسم غنتها حنان ماضى، لكنه لم ينشغل أبدا بكتابة الأغنية، وكان يرفض من الأساس الكتابة لمشاهير الطرب والغناء، فى ذات الوقت الذى كان يتكبد فيه عناء السفر ومشقته ليكتب أغانى مسرحية يقدمها شباب بسيط فى قصر ثقافة فى عمق الريف المصرى، فأبوالنجوم كان صاحب اختيارات واضحة لم يحد عنها أبدا، البسطاء، ثم البسطاء، ثم البسطاء، والأجمل فى هذا الرجل، الذى كان صديقا لنا بالفعل، أنه كان يحمل شعارا واحدا واضحا طوال مشوار حياته «الناس لازم تعيش كويس». رحم الله أبوالنجوم والعزاء لنا جميعا.


نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.