عاجل

البث المباشر

ماذا تعنى "الدولة العميقة" فى مصر؟

يثير مصطلح الدولة العميقة شيئا من الحوار وكثيرا من الخرافات منذ أن دخل القاموس السياسى المصرى بُعيد ثورة 25 يناير، والتصق هذا المصطلح فى كثير من استخداماته بآخر جديد مثله، وهو فلول نظام حسنى مبارك فى بيروقراطية الدولة، حيث صار المعنى هو أركان هذا النظام، والمستفيدون منه الذين ظلوا فى مواقعهم كامنين، وبنفوذهم متشبثين، وبأملهم فى إعادة إنتاج هذا النظام متمسكين.

ولأن استخدام مصطلح الدولة العميقة فى غير محله ما زال مستمراً ومؤدياً إلى خلط بين ظواهر لا يصح خلطها، وإلى إرباك التفاعلات السياسية المرتبكة بما يكفى، وجب تحريره، وإلقاء ضوء عليه من خلال تحليل جوهر مسألة الدولة المعاصرة، وتعريف ما هو طبيعى وغير طبيعى وما يعتبر محموداً أو مرذولاً فى العمق، الذى تتسم به هذه الدولة.

فللدولة معنيان كل منهما أوسع بكثير من الحكومة أو النظام فى أى بلد، فأما المعنى الأول القانونى فهو ينصرف إلى ثلاثة عناصر أحدهما فقط هو الحكومة، التى يسبقها بالضرورة، وبحكم طبائع الأمور عنصران هما الشعب والإقليم أو الأرض، وأما المعنى الثانى السياسى فيُقصد به المؤسسات والأجهزة، التى تتميز بحكم طابعها بالاستمرارية بخلاف تلك، التى تتغير بسبب ارتباطها بنظام الحكم أو الحكومة بمعناها الواسع.

ولما كانت الاستمرارية فى مؤسسات الدولة وأجهزتها هى القاعدة، فمن الطبيعى أن تتراكم لديها مع مرور الزمن أنماط سلوك وقواعد فى الإدارة، وربما تقاليد فى العمل لا يسهل تبديلها، لأن تواترها على مدى فترات طويلة يؤدى إلى تجذرها بدرجة أو بأخرى، وهذا التجذر هو الذى يجعلها عميقة مع اختلاف مدى هذا العمق من حالة إلى أخرى.

ويعنى ذلك أن العمق أمر معتاد فى الدول المعاصرة بشكل عام، وليس فى الدول القديمة ذات الامتداد التاريخى الطويل فقط، كما أنه أمر معتاد حتى فى الدولة الديمقراطية.

فالولايات المتحدة مثلاً دولة ديمقراطية ولا تاريخ طويلا لها، ومع ذلك فهى دولة عميقة بالمعنيين الإيجابى والسلبى لمفهوم عمق الدولة، فالإدارة فى الولايات المتحدة سواء الفيدرالية أو المحلية تتسم فى الأغلب الأعم بدرجة معقولة من الكفاية والمعرفة، والقدرة على الإنجاز، ولكن النفوذ القوى لأجهزة الأمن والاستخبارات المتجذرة يمثل الجانب السلبى لهذا العمق، وكان الكشف مؤخرا عن المدى الرهيب، الذى بلغه تجسس وكالة الأمن القومى على الأمريكيين، وغيرهم، مؤشراً جديداً على ذلك.

فالعمق إذن من سمات مؤسسات الدولة، التى لا تقوم كل حكومة بإعادة تشكيلها وفقاً لتوجهها، أو سياستها الحزبية. غير أن مصطلح الدولة العميقة لم يدخل قاموس السياسة فى مصر من هذا المدخل العام، وإنما جاء اقتباساً من حالة ذات طبيعة خاصة، ومحاولة لاستنساخها تارة أخرى، وهى تجربة تركيا المعاصرة. كما لم يرتبط الإسناد إلى هذه الحالة بدراسة كلية لها، وإنما اعتمد على موقف تبناه بعض قادة قوى الإسلام السياسى فى تركيا منذ أربكان وحتى أردوغان مؤداه أن هناك دولة عميقة تعوق تطوير النظام السياسى.

وقد ظهر مدى افتراق المعنى، الذى أُسبغ على مصطلح الدولة العميقة فى تركيا عن الواقع فى إحدى المفارقات، التى تنطوى عليها أزمة أردوغان الراهنة عندما اتهمه بعض قادة المعارضة بالاعتماد على الدولة العميقة، وهذا هو الاتهام نفسه الذى سبق أن وجهه ضد معارضيه، وبعض مؤسسات الدولة، التى سعى إلى الهيمنة عليها!

وليس هناك دليل على عدم صحة فهم أى مصطلح من سهولة استخدامه بمعانٍ متناقضة وصالحة لتفسير الأمر وعكسه، والحال أن تركيا تمثل حالة خاصة لدولة كانت مؤسساتها قد صُبغت بصبغة أيديولوجية فى مرحلة سابقة، فصارت لها منفعة فى الدفاع عن اتجاه معين، فضلاً عن مصلحتها فى المحافظة على أسلوبها وطريقتها، ولذلك ينبغى تحرير مصطلح الدولة العميقة فى مصر من أى حمولات أيديولوجية أو سياسية، ومعالجة مسألة عمق الدولة بمنهج موضوعى يقوم على أساسين: أولهما أن هذا العمق معتاد، بل ضرورى لضمان عدم إخضاع مؤسسات الدولة لأى نظام حكم سواء سيطرت عليه مجموعات مصالح فاسدة أو جماعة أيديولوجية أو سياسية معينة أو غيرهما. وآية ذلك أن يكون العمل فى مؤسسات الدولة على أساس الكفاية والمعرفة والجدارة، وليس وفقاً للانتماء السياسى أو الشللى، أما الأساس الثانى فهو تدعيم مفهوم المصلحة العامة فى مؤسسات الدولة بعد أن تراجع فى كثير منها، كما فى المجتمع لحساب نزعة فئوية باتت تهدد ما بقى من معنى إيجابى للدولة العميقة.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات