عاجل

البث المباشر

مصطفى النجار

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

هدنة من أجل مصر

كلما اشتدت الأحداث والمحن التى تعصف بالوطن بحثت بعينى وقلبى عن فقراء مصر وبسطائها، أحدّق فى عيون الملايين التى تعبت وأرهقها تسارع الأحداث وضبابية المشهد والخوف من المستقبل، وأتفحص أحاديث الطبقة الوسطى التى تحمل نفس الخوف والقلق، تحمَّل المصريون الكثير والكثير، وفاضت قلوبهم بالأسى، واشتاقت نفوسهم للفرحة، وعبَّر بعضهم عن هذا بالرقص أمام اللجان بعد كبت وأثقال حزن بالغة، ولكن هل الانتهاء من الدستور وإقراره سيحلان مشاكلنا وينقذاننا من سواد المستقبل؟

مصر اليوم مثخنة بالجراح والصراعات والمرارات، ولا تهدأ جبهات الصراع فيها، بل تُفتح جبهات جديدة، خاصة ضد شبابها الذين كان غيابهم عن مشهد الاستفتاء رسالة لأصحاب القرار بأننا غير راضين عما يحدث، وأن ثقتنا فى الجميع تهتز لأنكم صامتون على هذه الممارسات، ولأننا نرى فى الأفق انتكاسة وارتداداً أيقظا مخاوفنا من عودة الماضى البائس الذى قامت الثورة ضده.

صمت الحكماء الذين تعودنا أن نسمع صوتهم وقت الأزمات بعد أن صار حديثهم العاقل سبباً لتخوينهم وتشويههم والنيل منهم واغتيالهم معنوياً، بل والتحريض الفجّ ضدهم.. انزوى هؤلاء الذين كنا نراهم يسرعون ويبذلون النصح لتفادى الاصطدام بجبل الجليد، وارتفع صوت التحريض والكراهية ضد كل مخالف فى مشهد يذكّرنا بمأساة المكارثية.

هذا وقت العقل والحكمة، هذا صوت الضمير الوطنى الذى يدرك عواقب استمرار المشهد الحالى وخطورته على مستقبل الوطن، لن تسير السفينة وفيها كل هؤلاء الذين يخرقون جوانبها تحت دعوى إصلاحها، بينما سيكونون سبباً فى غرقها بمن فيها.

لن نعرف طريق الاستقرار طالما وُجد الظلم، طالما ظل الفقراء يزدادون فقراً ولا يجدون الفرصة والتكافؤ للخروج من خط الفقر، فإنهم لن يرحموا من ظلمهم، طالما امتدت يد القمع وممارسات الماضى لتخرس الأصوات المختلفة دون أن تميز بين من خالفوا القانون وبين من ارتضوا العمل السلمى واحترموا الأطر العامة للدولة، فلن نجد سوى السخط والغضب ثم الانفجار، الإحباط هو عدو أى سلطة ستحكم مصر وكلما زاد إحباط الناس- خاصة الشباب- أصبح الوطن جالساً على قنابل موقوتة لن يمكن كبح جماحها.

مصر تحتاج إلى من يلملم جراحها لا إلى من ينكأ مزيداً منها، خط الدم لا بد أن يتوقف وينتهى عند هذا الحد، العدالة بوابة الخروج من التيه، حصار الأمل وإجهاض الأحلام لا بد أن ينتهى، التصالح مع شباب مصر ضمانة العبور للمستقبل وصمام أمان الحاضر، كل عاقل يدرك من يلتفون حوله ويعرف أغراضهم التى قد تكون سبباً لضرره وخسارته، ومتى أدرك ذلك ونقَّى المشهد من هؤلاء خطَّ آفاقاً للنجاح.

هدنة من أجل مصر نتدارك بها ما فات، ونجمع بها ما تفرَّق، ونقرب فيها من ابتعد ونرشد فيها من تجاوز حتى نبدأ من جديد إن كنا نريد.

نقلاً عن صحيفة " المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات