أميركا.. والشرعية حسب المزاج أو المصلحة

جلال عارف

جلال عارف

نشر في: آخر تحديث:

من قبل 30 يونيو، ومنذ أن بدأت الأزمة بين شعب مصر بأكمله وحكم الإخوان الفاشي، كان موقف الإدارة الأميركية يقف دعماً لحكم الإخوان الذي جاء به وتحالف معه. بعد 30 يونيو ظل الموقف الأميركي على عدائه لإرادة شعب مصر ودعمه للإخوان.

على مدى الشهور الماضية بعد 30 يونيو لم تتوقف واشنطن عن محاولة إنقاذ الإخوان، أو منع محاكمة المعزول مرسي وإخوانه، أو قرار اعتبار الإخوان جماعة إرهابية.

وفي كل هذه التحركات لم تتوقف عن الحديث عن "شرعية الصندوق" رافضة أن تسمع صوت العقل والحقيقة الذي يقول إن الديمقراطية لا تتمثل فقط في صندوق الانتخابات، وأن الحاكم الذي يجيء بالصندوق يفقد شرعيته عندما يعتدي على الدستور ويقمع الشعب ويهدد سلامة الوطن.

فما بالك إذا خان وإذا تآمر للتنازل عن أجزاء من أرض الوطن، وإذا فتح حدود بلاده لتتحول إلى ملاذ آمن لعصابات الإرهاب التي أرادت أميركا ودول الغرب أن تتخلص منها في صفقة دنيئة تمهد لصراع الطوائف والأديان الذي يدمر العالم العربي ويستنزف قواه ويفكك دوله إلى شظايا متناحرة.

وفي الوقت الذي كانت واشنطن "تولول" فيه على "شرعية الصندوق" كان حلفاؤها من جماعة "إخوان المولوتوف" وباقي المجموعات الإرهابية تحاول المستحيل كي تمنع مصر من تنفيذ خريطة الطريق.

لكن ذلك كله لم تكن له من نتيجة إلا تزايد كراهية الشعب لهذه الجماعات الضالة، لتجد نفسها لأول مرة في تاريخها وهي لا تواجه الشرطة أو الجيش أو الحكومة..

بل تواجه المواطنين الذين نفد صبرهم على تصرفات جماعة كشفوا كذبها وخداعها وتجارتها بالدين وخيانتها للوطن، ورغم كل حملات الترويع والأحداث الإرهابية فقد خرج 20 مليون مصري إلى صناديق الاستفتاء.

وجاءت الأرقام لتقول: إن عدد من قالوا نعم للدستور هم ضعف من وافقوا على دستور الإخوان 2012! وأن من وافقوا على الدستور الجديد هم أربعة أمثال من انتخبوا المعزول مرسي في الجولة الأولى، وضعف من اختاروه في الجولة الثانية تقريباً (بمن فيهم عاصرو الليمون ومن قالوا إنهم كانوا يختارون بين الكوليرا والطاعون)!

حتى محاولة التشويه بأن نسبة من قالوا نعم فاقت 98% من المصوتين لم تصمد للحقيقة التي تقول إن الإخوان وباقي الجماعات الإرهابية وحزب عبد المنعم أبو الفتوح قد أعلنوا مقاطعة الاستفتاء.. ربما في محاولة لتقليل عدد المشاركين على أمل أن يكونوا أقل من الاستفتاءات السابقة.

دول عديدة من التي كانت تسير في ركب السياسة الأميركية بدأت في مراجعة موقفها من مصر بعد الاستفتاء.

كاثرين آشتون مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي أشادت بهذه الخطوة المهمة. الدول العربية الشقيقة التي دعمت مصر بعد 30 يونيو وفي مقدمتها الإمارات والسعودية والكويت أكدت أنها ستواصل موقفها الذي ثبتت صحته.

دول كبرى مثل روسيا والصين قالت إنها ستقف مع شعب مصر حتى ينجز ما حدده لنفسه.

لكن العجب العجاب كان الموقف الأميركي الذي عبر عنه وزير خارجيتها والذي قال كلاماً يعكس تخبط السياسة الأميركية بقوله: إن صندوق الانتخاب أو الاستفتاء ليس كل شيء في الديمقراطية!

الرد الواجب على كلام الوزير الأميركي لا يجوز نشره ولا نستطيع أن نكتبه حتى إن كانت التقاليد الأميركية لا تمنع ذلك! فقط نكتفي بالتأكيد أن الإدارة الأميركية لم تعد تكترث حتى بورقة التوت التي تستر مواقفها المتناقضة (أو المعادية لنا) تستطيع هذه الإدارة أن تغير سياستها 180 درجة بالنسبة لإيران وتقدم الحجج اللازمة واللامنطقية، وتستطيع هذه الإدارة أن تبني القاعدة لتساعدها في زمن مضى ثم تحاربها في زمن آخر ثم تسلطها علينا في زمن ثالث وتدعمها .

وتدعم الإخوان الذين تحالفوا معها وجاءوا بهم إلى مصر ومنعوا توريد السلاح اللازم لجيش مصر، ظناً منهم أن هذا سيمنعه من القضاء عليهم! دعونا هنا نتذكر درساً قديماً في هذه العلاقة حين بدأت واشنطن التآمر على مصر في الخمسينيات من القرن الماضي، وحين قررت سحب تمويل السد العالي بدأت بوضع شروط تعرف أنها مستحيلة القبول من مصر .

وهذا ما حدث لفترة ولكن في النهاية عرف عبد الناصر أن القرار الأساسي قد تم اتخاذه ضد مصر، وأراد كشف ذلك، فكلف السفير في أميركا، وكان حريصاً على العلاقة معها، بأن يبلغهم بأن مصر قد قبلت كل الشروط، وكان الرد الفوري هو الإعلان عن سحب عرض التمويل بطريقة مهينة، وكان الرد الحاسم من عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس، لتبدأ مرحلة جديدة من حرب الاستقلال الذي لا تريده أميركا إلا لنفسها.

باختصار.. أميركا مازالت تراهن على إرهاب الإخوان وحلفائهم.. هذه المرة تعرف أنهم لن يعودوا للحكم، ولكنه يمكن استخدامهم مثل أي عملاء لاستنزاف قوى مصر حتى تعيد واشنطن ترتيب أوراقها في المنطقة.

هذا هو جوهر الموقف الأميركي ومن أجله رفعت شعار "شرعية الصندوق".

نعم.. قد تكون السياسة الأميركية مرتبكة الآن فيما يتعلق بشؤون المنطقة العربية والشرق الأوسط. لكن الثابت أنها لا تريد مصر المستقلة القوية، ولا تريد عالماً عربياً يتوحد.

* نقلا عن "البيان" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.