عاجل

البث المباشر

مصر..أسباب اختيار روسيا لبناء محطة "الضبعة" النووية

المصدر: القاهرة - أشرف عبدالحميد

في خطوة لافتة ونوعية ومهمة، وقع الرئيسان المصري عبدالفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين اتفاقية لإقامة محطة نووية في منطقة "الضبعة" في مصر، وهي عملية أحدثت ردود أفعال سياسية واقتصادية إقليمية ودولية.

الخطوة ستنقل مصر إلى نادي الدول النووية وتحقق لها طفرة اقتصادية هائلة، فالمحطة ستحل أزمة الطاقة التي تعاني منها مصر في ظل نقص الوقود والمحروقات، ما أدى إلى ضعف إنتاجية محطات التوليد لكنها على الجانب الآخر ستضعها في مواجهة مع دول كبرى ترى في المحطة خطراً نووياً جديداً يجب مواجهته، وترى في التعاون الروسي حلفاً دولياً يتوجب التعاطي معه بحذر.

لكن لماذا اختارت مصر روسيا للتعاون معها في إقامة المحطة؟ ولماذا "الضبعة" هو مقر إقامتها؟ ثم ما هي استخداماتها الحقيقية؟

البرنامج النووي المصري

يقول د.مدحت سابق، أستاذ الطاقة النووية وخبير الوقاية الإشعاعية بهيئة الرقابة النووية، إن البرنامج النووي المصري بدأ مبكراً ومنذ الستينيات، وكان بالتعاون مع الجانب الروسي الذى ساعد مصر في إقامة أول مفاعل نووي عام 1961، وكان سيتم التوسع فيه بشكل يجعل مصر ضمن قائمة الدول النووية الكبرى، لكن المشروع توقف بسبب الخلافات بين الرئيس الراحل أنور السادات والسوفييت وبعدها التوجه المصري نحو الغرب، الأمر الذي قضى تماماً على التعاون الروسي في مجال الطاقة النووية.

ويضيف الخبير النووي لـ"العربية.نت" أن الغرب وتحديداً أميركا وقف بشدة ضد إقامة أي محطات نووية في مصر ورفض مساعدتنا في ذلك، بل إن الدكتور محمد البرادعي مدير عام الوكالة الذرية السابق والمصري الجنسية تسبب في تعطيل برنامج مصر النووي حيث كتب في تقرير له أن مفاعل مدينة نصر به شروخ وتشققات ويشكل خطراً، مما أدى لوقوف الوكالة والغرب ضد مصر ومطالبة الوكالة لنا بوقف البرنامج كله، بل إن المفاجأة أن المفاعل كان متوقفاً عن العمل بالفعل لكن النوايا كانت غير سليمة مما تسبب في توقف البرنامج النووي المصري".

ويقول إن مصر فكرت في بناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة السلمية وتحلية مياه البحر أثناء عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتم اختيار منطقة "الضبعة" بمرسى مطروح مكاناً للمشروع لعدة أسباب أولها أن "الضبعة" مكان ملائم وآمن جداً، وقريب من المياه والتي نستطيع استخدامها لتبريد المحطات النووية. كما أنها أرض مستقرة بعيدة عن حزام الزلزال مما يضمن عدم حدوث ترسيب نووي، إضافة إلى أنها تبعد نحو 60 كيلومتراً من التجمعات السكانية، وبالتالي لن تشكل خطورة بيئية أو مجتمعية لكن الغرب لم يترك مصر تهنأ بإقامة المشروع بل وقف ضد إقامته بكافة الطرق، وفوجئنا بعدد من رجال الأعمال المصريين يرفضون إقامة المشروع في "الضبعة "بحجة أنه سيؤثر على السياحة في المنطقة ومارسوا الكثير من الضغوط على الحكومة لتأجيله أو اختيار مكان آخر غير "الضبعة"، لكن الحكومة لم تلتفت لهم وقررت المضي قدماً في بناء المحطة مهما كلفها الأمر.

إعادة إحياء المشروع

ويواصل د.مدحت حديثه بالقول: "بعد مجيء الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة قرر أن يعيد إحياء المشروع خاصة أنه سيحل أزمة الطاقة ويوفر مايعادل 75% من احتياجات مصر الكهربائية، بل إنه سيوفر فائضاً للتصدير إضافة إلى أن المحطة النووية لن تستهلك وقوداً كثيراً مقارنة بمحطات توليد الكهرباء، لكنها ستنتج أضعاف ما تنتجه محطات التوليد من طاقة كهربائية قد تصل إلى 20 ألف ميغاوات للمحطة الواحدة، ولذلك أصر الرئيس السيسي على تنفيذ المشروع مهما كانت الضغوط الغربية والدولية ومهما كانت العراقيل فالطاقة هي قضية أمن قومي".

ويضيف الخبير النووي: "هنا كان السؤال الملح أمام الحكومة المصرية والقيادة السياسية إلى أين نتجه؟ ومع من نتعاون في إقامة المحطة النووية؟ وكانت الإجابة سريعاً روسيا، والأسباب كثيرة ومتعددة".

"أولاً: هناك أمر لابد من الانتباه إليه عند إقامة أي محطة نووية وهو بحث كيفية تأمينها وتجنب مصير مفاعل العراق النووي الذي قصفته إسرائيل في الثمانينيات، فالأمر جد لا هزل؟ والمفاعل أو المحطة هي هدف في حد ذاته لمن يريدون استهداف مصر، ولذلك كان قرار اختيار منطقة "الضبعة" لإمكانية تأمينها بسهولة وبعدها عن التجمعات السكانية. ولو نظرنا إلى مفاعل العراق فسنجد أن إسرائيل تدعي أنها قصفته بالطيران لكن ذلك ليس صحيحاً، فقد قصفته من خلال قنابل وضعتها في المبرد الخاص بالمفاعل فانشطر بعدها إلى كتل متناثرة ولذلك اتخذت مصر كافة الاحتياطات المكانية واختارت الضبعة لتتجنب وصول أي أياد عابثة بالمحطة إليها، كما أنها تستطيع استيعاب أربع محطات نووية طاقة كل محطة فيها ما بين 10 إلى 20 ألف ميغاوات وتستطيع حل أزمة الكهرباء في مصر".

اختيار روسيا.. لماذا؟

"ثانياً: كان اختيار روسيا مبنياً على عدة أسس وجيهة أهمها أنها دولة صديقة منذ عقود طويلة وكانت أول دولة تشاركنا وتساعدنا في بناء البرنامج النووي في الستينيات كما أنها تعد الدولة الوحيدة التي تقوم بتصنيع مكونات المحطة النووية بنسبة 100%، ولا تعتمد على استيراد مكوناتها من أي دول أخرى قد يكون بينها وبين مصر عداوة تعرض المشروع للاحتكار من قبل هذه الدول، إضافة إلى أن روسيا لها تاريخ طويل في دعم مصر فهي من أنشأت مفاعل أنشاص وساهمت في بناء السد العالي كما أنها دولة قوية يصعب اختراق أمنها بسهولة".

"ثالثاً: إن مصر وروسيا الآن ترتبطان بعلاقات قوية ومتينة وأستطيع القول أنهما ضمن حلف دولي قوي يقف في مواجهة قوى دولية وإقليمية لاتريد خيراً للمنطقة ومصر، وبالتالي ستساعد روسيا مصر في بناء المحطة بكل ما أوتيت من قوة، فضلاً عن أن روسيا لم تضع أي شروط سياسية على مصر لإقامة المحطة، كما ستنشئ مركز معلومات للطاقة النووية ونشر ثقافة التعامل معها شعبياً، كما أنها وافقت على أن تقوم مصر بسداد قيمة المحطة بعد الانتهاء من إنشائها وتشغيلها، مع وجود فترة سماح علاوة على إنشاء مصانع روسية في مصر لتصنيع مكونات المحطة محلياً وعقد دورات تدريبية للكوادر المصرية على استخدام التكنولوجيا النووية ونقل الخبرات الروسية للمصريين".

توليد الطاقة المطلوبة

ويضيف د مدحت: "إن مصر قامت خلال الفترة الأخيرة بإنشاء محطات كثيرة لتوليد الكهرباء منها شمال وغرب وجنوب القاهرة وأبو رواش والزعفرانة والكريمات وبني سويف وكلها تعمل من خلال التزود بالوقود ومع نقص الوقود بات عدد كبير من هذه المحطات خارج الخدمة وقلت إنتاجية الكهرباء، ولذلك كان لابد من الاعتماد على الطاقة النووية فهي ستولد الطاقة المطلوبة وبقليل من الوقود، كما ستحقق الفائض الذي يدخل مصر ضمن قائمة الدول المصدرة للطاقة، فضلاً عن تحلية مياه البحر ومواجهة أزمة المياه التي قد تنتج من تداعيات أزمة سد النهضة، كذلك سيتم توفير فرص عمل للشباب من خلال تنشيط السياحة لأن الطاقة النووية تحافظ على البيئة وتجعل المنطقة مقصداً سياحياً لتوافر الطاقة المطلوبة ووجود بيئة آمنة ونظيفة وتحلية مياه البحر المتوسط وتوفير الكميات التي تحتاجها القرى والمنشآت السياحية في مرسى مطروح والساحل الشمالي من المياه خاصة أنها بعيدة عن مياه النيل".

إعلانات