"العربية.نت" في قرية القرضاوي.. وهذا ما يرويه أهاليها

نشر في: آخر تحديث:

في قرية "صفط تراب" التابعة لمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية بدلتا مصر ولد يوسف عبد الله القرضاوي، المصري الأصل القطري الجنسية، والمطلوب الأول في القائمة التي أعلنتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر للإرهاب قبل عامين، والمعروف لدى المصريين بـ"مفتي الإرهاب والتطرف والدم".

تبعد القرية نحو 23 كيلومتراً عن مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية و5 كيلومترات عن مدينة المحلة. لها مدخلان ترابيان وتحيط بها عدة ترع وقنوات للري، ويسكنها ما لا يقل عن 35 ألف نسمة، وكانت تسمى قديما بـ"سفط البصل".

الزارعة هي المهنة الأساسية لأهالي القرية التي تقطنها عائلات عريقة وكبيرة، بما فيها عائلة القرضاوي، ويرتبطون مع بعضهم بعلاقات نسب ومصاهرة وقرابة ومعاملات تجارية.

في سبتمبر/أيلول من العام 1926 ولد يوسف عبد الله القرضاوي. وتوفي والده عندما كان يوسف القرضاوي يبلغ من العمر عامين، وتكفل برعايته عمه. وتُنسب عائلة القرضاوي لقرية تسمى "قرضه" كانت تابعة لمحافظة كفر الشيخ قبل أن تستقر فروعها في عده قرى أخرى منها قرية "صفط تراب" في المحلة.

بدايات القرضاوي في القرية، وفق ما يقول الأهالي لـ"العربية.نت"، كانت مبشرة بمولد داعية مجدد على غرار الإمام محمد عبده، فقد حفظ الفتى القرآن الكريم وأتمه في عامه العاشر، وكان يخطب في "مسجد المتولي" بالقرية، وتلقى في ذلك المسجد أول علومه، ثم التحق بالأزهر وحصل على المركز الثاني على الثانوية الأزهرية في مصر ليلتحق بعدها بكلية أصول الدين بالقاهرة.

لا أحد من الأهالي يعلم كيف تغيرت حياة القرضاوي بعد سن الـ16، فالأجيال الحالية في القرية لم تكن قد عاصرت تلك الفترة، واستقى هؤلاء معلوماتهم عنه من آبائهم وأجدادهم فقط. لكن المؤكد، بحسب هؤلاء، فإن انضمام "الشاب" يوسف القرضاوي لجماعة "الإخوان المسلمين" وتأثره بأفكار حسن البنا وراء حالة التغير الحادة التي طرأت على حياته فيما بعد.

تأثّر القرضاوي بشيخه ومعلمه الشيخ عبد المطلب البتة الذي كان يلقي دروسه في "مسجد المتولي" بالقرية. ووفق تأكيدات الأهالي، فإن الشيخ البتة لم يكن إخوانيا، أو منتمياً للإخوان. وكان ذهاب القرضاوي لتلقي تعليمه في المعهد الديني بطنطا هو أول نقطة تواصل بينه وبين الإخوان من خلال كوادرهم وعناصرهم المتواجدة في المدينة، حيث استقطبوا طلاب الثانوي والمعاهد الأزهرية للانضمام للتنظيم ومبايعة حسن البنا.

أصبح القرضاوي أحد عناصر الإخوان في الدلتا وتتلمذ على يد أقطاب الجماعة في الغربية الذين اهتموا به، وطالبوه بتجنيد آخرين، ثم عمل في جناح الجماعة السري في القاهرة الذي كان يخطط لقلب نظام الحكم وشن سلسلة تفجيرات واغتيالات. وبسبب نشاطاته هذه، تعرض القرضاوي للسجن لأول مرة في العام 1949 وكان عمره حينها 23 عاما. وعقب "ثورة يوليو" تعرض القرضاوي للسجن عدة مرات، حيث اعتقل في نوفمبر/تشرين الثاني 1954 عقب "حادث المنشية" الذي تعرض خلاله الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال، واستمر حينها اعتقاله 20 شهراً.

في العام 1961، سافر القرضاوي إلى قطر هرباً من ملاحقات أجهزة الأمن المصرية له، وعمل هناك مديرا للمعهد الديني الثانوي. وبعد استقراره حصل على الجنسية القطرية. وفي العام 1977 تولى تأسيس وعمادة "كلية الشريعة والدراسات الإسلامية" في جامعة قطر ثم أصبح رئيسا لـ"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين".

منذ أن رحل القرضاوي إلى قطر في أوائل الستينيات، انقطعت صلته بقريته، حيث لم يزرها إلا قليلا ولمرات معدودة، وتزوج من خارجها. وكانت زوجته الأولى مصرية واسمها إسعاد عبد الجواد وتزوجها في ديسمبر/كانون الأول 1958 وأنجب منها أربع بنات وثلاثة ذكور، أما زوجته الثانية فهي تلميذته الجزائرية أسماء بن قادة.

لم يقدم القرضاوي، رغم ثرائه وعلاقاته القوية مع المسؤولين في قطر، أي مشروعات خدمية لأهالي قريته.

في التسعينيات، زار القرضاوي القرية بصحبة وفد كبير وأعلن أمام الأهالي بناء مسجد ومعهد ديني يحملان اسمه وتكفلت بنفقات بنائهما إحدى الجمعيات القطرية، كما تكفل بتجديد "مسجد المتولي" الذي كان يتلقى فيه أول دروسه. وعقب ثورة يونيو/تموز 2013 وفتاويه بقتل من يعارضون "الإخوان" ويؤيدون الجيش والرئيس عبدالفتاح السيسي، تقدم الأهالي بطلبات للسلطات المصرية لإزالة اسم القرضاوي من المسجد والمعهد، وتم بالفعل الاستجابة لهم وتغيير اسم المسجد إلى "مسجد الصحوة"، واسم المعهد إلى "معهد صفط تراب".

كانت الزيارة الأخيرة للقرضاوي إلى قريته في يناير/كانون الثاني من العام 2013، ووقتها كان "الإخوان" في سدة الحكم بمصر. وأقيم حينها مؤتمر جماهيري ترأسه القرضاوي وحضره كافة قيادات جماعة "الإخوان" في مصر، وخلاله طالب القرضاوي الناس بدعم الرئيس السابق المعزول محمد مرسي وحكم "الإخوان". كما أعلن في ذلك المؤتمر تكفله بإقامة مجمع إسلامي كبير بقريته يضم مركزا طبيا ومسجدا ودارا للأيتام بتكلفة وصلت إلى مليون و250 ألف جنيه ستتحملها بالكامل مؤسسة قطرية. ويقول الأهالي إن العمل بدأ على الفور لبناء المجمع وأنفق عليه نحو 250 ألف جنيه، وبعدها اندلعت "ثورة يونيو" فتوقف العمل به، فطلب القرضاوي من الأهالي إعادة مبلغ الـ250 ألف جنيه التي أنفقت في بناء المجمع خاصة أن الأهالي أزالوا اسمه من عليه أيضا وأطلقوا عليه اسما آخر.

استأثرت قرية منية سمنود، التابعة لمركز أجا التابعة لمحافظة الدقهلية وهي مسقط رأس زوجة القرضاوي الأولى وأم أبنائه، بالخدمات التي يقدمها الداعية، وهناك أقام معاهد ومدارس ومجمعات خيرية وطبية. ومن خلالها، كان يتم تقديم الخدمات لأهالي قرية منية سمنود والقرى المجاورة، بينما لا يتعد نصيب قرية صفط، مسقط رأس القرضاوي، من خدماته سوى مسجد ومعهد تم تغيير اسمه فيما بعد.

ما زال أبناء أعمام القرضاوي يقيمون في القرية، ويعمل أغلبهم بوظائف حكومية، وليس لهم أي علاقة به. ولا يتواصل هؤلاء مع القرضاوي، وغالبيتهم يرفضون أفكاره وممارساته وفتاويه وعلاقاته بالإخوان وقطر. وفي انتخابات الرئاسة المصرية لعامي 2014 و2018، عبّر أهالي القرية عن رفضهم للإخوان والقرضاوي بمسيرات شعبية مؤيدة للجيش والشرطة والسيسي، ورفضهم لفتاوى قتل ضباط الجيش والشرطة التي كان يطلقها ابن قريتهم. ويقول الأهالي إنه حتى في ظل حكم الإخوان، كانت أصوات القرية تذهب للمرشحين المنافسين للإخوان.

ويضيف أهالي القرية أن حلم القرضاوي الأبدي والذي ظل يراوده طيلة عمره هو تولي مشيخة الأزهر، ولهذا السبب ظل يحارب كل شيوخ الأزهر السابقين وينتقدهم، عدا الشيخ عبد الحليم محمود. وعقب تولي الإخوان الحكم ونظرا لكبر سنه وحصوله على الجنسية القطرية وهو ما يمثل عائقا لتوليه مشيخة الأزهر، سعى القرضاوي لتعيين أحد تلاميذه في المنصب، والإطاحة بالدكتور أحمد الطيب، ثم جاءت ثورة يونيو 2013 لتجهض خططه.

شن القرضاوي حربا شعواء ضد كل من قام بالثورة على مرسي والإخوان، واتهم الرافضين لحكم الإخوان بـ"الخوارج"، ووصف التظاهرات ضد الجيش في مصر بأنها "فرض عين على كل مصري"، ولذلك بدأ أهالي قريته حملة لمحو اسمه من قريتهم، وإزالته من المسجد والمعهد اللذين بناهما في القرية.

ويقول الأهالي إن قريتهم لا تعرف الإرهاب ولا فتاوى التكفير أو لغة الدم، ويؤيدون جيشهم وأجهزة بلادهم.

ويضيفون أنه لا يمكن أن يتسبب شخص واحد "ضل الطريق" في الإساءة لقرية "يعرف أهلها الدين الصحيح" ويتمسكون بوطنهم ويحافظون عليه ويرفضون أي دعوات للقتل أو التخريب تحت عباءة الدين ومن أجل أغراض بعيدة عن الدين.