عاجل

البث المباشر

موت الضفاف.. هل ينهي سد النهضة أماكن الطمي الخصبة بالسودان؟

المصدر: دبي - عبد العزيز إبراهيم محمد

على مدى آلاف السنين اتسعت جزيرة توتي السودانية الواقعة بين ملتقى النيلين الأزرق والأبيض لأجيال من الفلاحين الذين يرثون تلك المزارع جيلا بعد جيل.

وفي أوائل الشهر الجاري، ينحسر النيل عن ملايين الأفدنة على طول مجرى النيل الأزرق تاركا "الطمي النيلي" الذي يصنع أخصب بقعة زراعية في العالم.

بعد أيام قليلة من انحسار النيل تتشقق الأرض ولا يتكلف الفلاحون على امتداد النيل الأزرق سوى نثر بذور الفاصوليا واللوبيا الحمراء والفاصولياء والبطيخ والخيار والجرجير، وفي أقل من 40 يوما تخرج تلك الشقوق الطينية الخصبة محاصيل طبيعية تمثل مؤنة سنوية للفلاحين الفقراء وتدر عليهم أموالا جيدة بتوزيعها على أسواق المدن القريبة.

مزارع قد تصبح من الماضي

لكن كل ذلك قد يصبح من الماضي بعد أن يبدأ موسم النهضة الذي يكتمل بناؤه قريبا على فوهة النهر على مقربة من الحدود السودانية، وبعد سنوات قد تصبح تلك المزارع مجرد حكايات طيبة.

يتكون الطمي من الأراضي التي يجرفها النيل في موسم الفيضان من أعالي الهضبة الإثيوبية، ومن انحداره على السهل الطيني الخصب في سهول البطانة السودانية وعلى مدى شهر من فيضانه العنيف يوزع ذلك الطمي على الضفاف وعلى المشاريع المروية.

سد النهضة
ما الذي سيتغير؟

يقول الخبراء إن سد النهضة سيقلل من الفيضان الموسمي ويخلق نهرا مستقرا على وتيرة متشابهة على مدار العام، وتقول الحكومة إن ذلك سيساهم في خفض خطر الفيضان ويقلل من تدفق الطمي الذي يترسب على قنوات الري ويكلف الدولة أموالا طائلة، لكن على مدار زمن طويل سوف تتأثر المزارع الموسمية على ضفاف النيل وقد تغزو الرمال الضفاف، إضافة إلى أن المزارع التي يرويها النيل سوف تفتقد إلى ذلك المدد الموسمي من الطمي، الأمر الذي سيفقر التربة. وهو ما ذهب إليه الفلاح يوسف عمر الذي التقته "العربية" حيث قال "في الصيف سوف تنحسر المياه وسيقل الطمي وسنفتقد الزراعة الطبيعية".

وانتهت أحدث جولة من التفاوض بين الدول الثلاث (السودان ومصر وإثيوبيا) بالخرطوم دون أن تسفر عن اتفاق حول سنين الملء وتشغيل السد.

خطر على المدى البعيد

وتقترح مصر 7 سنوات بينما تقترح إثيوبيا 4 سنوات، ويتأرجح موقف السودان بين التقاطعات الفنية والسياسية، ويطمع في شراء الكهرباء المنتجة بسعر تفضيلي، بينما يقول خبراء إن السد الإثيوبي سوف يساعد السدود السودانية في العمل بكفاءة.

وكان هذا الموقف طوال حقبة الرئيس البشير وعلى مدار سنوات التفاوض التي بدأت عام 2011، لكن خبراء "تكنوقراط" يعتقدون أن السد سوف يشكل خطرا على المدى البعيد، علاوة على خطر انهيار السد المحتمل لموقعه الصخري.

ارتفاع حدة الخطاب السياسي من القاهرة

وفي الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر، قال الرئيس المصري عند النصب التذكاري للجندي المجهول "الدولة المصرية بكلِ مؤسساتها ملتزمة بحماية الحقوقِ المائيةِ المصرية في مياهِ النيل".

في المقابل، قال الرئيس الإثيوبي في تغريدة "تؤكد إثيوبيا على حق دول حوض النيل الـ11 في استخدام مياه النيل وفقا لمبادئ الاستخدام العادل ومن دون التسبب بأي ضرر، مما يؤكد على حقنا في تطوير مواردنا المائية لتلبية احتياجات شعبا".

وأضاف بلهجة تعكس الأزمة الكامنة للسد "لا توجد قوة على الأرض يمكن أن توقف رغبتنا في التطور".

الحكومة السودانية التزمت الصمت

من جانبه، قال وزير الري السوداني عقب انهيار المفاوضات "إن البلدان الثلاثة في حاجة لمواصلة الاجتماعات البعثية".

وسرعان ما دعت مصر إلى طلب الوساطة الدولية، لكن السودان وإثيوبيا تحفظتا على الطلب.

وبعد تبادل التصريحات الحادة بين القاهرة وأديس أبابا، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي فجأة عن رغبة بلاده في مواصلة الحوار في تغريدة نشرها مكتبه الخاص.

لكن مهما كانت النتائج التي ستسفر عليها نتائج التفاوض يسود اعتقاد واسع وسط المهتمين بالآثار البيئية للسدود أن أكثر أنهار إفريقيا شبابا وهو النيل الأزرق لن يكون كذلك قريبا، وأن النهر الذي يعرفه السودانيون على مدار آلاف السنين ويجري من بداية الحدود الشرقية في مسار طوله 1,400 كلم (850) ميلا حتى يعانق شقيقه النيل الأبيض في ملتقى النيلين عند العاصمة السودانية لن يكون هو النهر الذي نعرفه وينشر خصوبته على الضفاف عند بدء الملء والتشغيل بالسد الإثيوبي.

إعلانات