عاجل

البث المباشر

الحزب الذي لا تغيب عنه الشمس تحيا سوريا

بدأ سراً في بيروت وأعدموا زعيمه وطاردوا أتباعه ويصعب أن يخلو بلد من نشاط عضو فيه

المصدر: لندن - كمال قبيسي

قد لا تصدّق أن حزباً تمر يوم الجمعة المقبل 80 سنة على تأسيسه في بيروت مازال أحد أقوى الأحزاب بالانتشار الجغرافي في العالم إلى درجة يصعب معها أن تجد دولة تخلو من نشاط حزبي يقوم به بعض أفراده المقيمين فيها كمهاجرين، وعددهم عالمياً بمئات الآلاف بلا مبالغة.

إنه "الحزب السوري القومي الاجتماعي" الذي تنشر "العربية نت" بعض المعلومات عنه كخبر بمناسبة تأسيسه كحزب نقيض بعلمانيته الصارمة ونظامه الخاص لجميع الحركات والأحزاب بالعالم العربي، خصوصاً تيارات الإسلاميين.

وأسس الحزب في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1932 في بيروت شاب لبناني جاءها من حيث كان مهاجراً في سان باولو بالبرازيل، وهو أنطون سعادة الذي وُلد في 1904 بمصيف ضهور الشوير في قضاء المتن بمحافظة جبل لبنان، وانتهى في 1949 مرمياً بالرصاص وهو يقول لقاتليه: "شكراً"، بحسب ما يتواترون.

بدلاً من مرحباً وصباح الخير: تحيا سوريا

أعضاؤه تخلوا عن الكثير من التقاليد الموروثة، وأوسعها استخداماً التحيات البديهية المعروفة كلما التقى أحدهم بآخر، كمرحباً أو صباح ومساء الخير وغيرها، واعتمدوا بديلاً عنها عبارة "تحيا سوريا" التي أشاعها الحزب بينهم كتحية تميزهم، وطالما سمعتها بنفسي مرات ومرات في البرازيل بشكل خاص.

وبلاد الاغتراب هي الاحتياط الكمّي الدائم والكبير للحزب القومي، لذلك يبقى على حيويته دائماً، ففيها مناصرون له بالآلاف. أما "سوريا" في الداخل، وفي لبنان بشكل خاص، فرصيده نوعي أهمّه أن معظم مَنْ برز في كافة الحقول بلبنان كان في يوم ما عضواً في الحزب القومي.

وبين من كانوا في الحزب القومي: كمال جنبلاط والرئيس الراحل شارل حلو والشاعر أدونيس ونظيره سعيد عقل والأديب سعيد تقي الدين والصحافي الراحل غسان تويني، وغيرهم ممن تخرجوا في مدرسته وأقسموا له الولاء بقسم صارم أمام الزوبعة، وهي شعاره.

ولا تشير كلمة "السوري" في اسمه الى سوريا الحالية التي يطلق عليها الحزب اسم الشام، إنما الى سوريا الطبيعية الممتدة تاريخياً من حدودها الشرقية مع إيران حتى البحر الأبيض المتوسط في الغرب، ومن الحدود شمالاً مع تركيا الى الحدود جنوباً مع قوس "صحراء النفود الكبير" في الجزيرة العربية، وهي المنطقة المعروفة باسم "الهلال الخصيب" أو "الأمة السورية"، كما يسميها الحزب الداعي لإعادة توحيدها.

وتشمل سوريا الطبيعية للحزب القومي: العراق والكويت وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وجزيرة قبرص وصحراء سيناء، التابعة برأي الحزب لفلسطين أصلاً، إضافة الى شمولها لأجزاء ضمتها تركيا لأراضيها بالاتفاق مع الانتداب الفرنسي، وأهمها لواء الإسكندرون الشهير، وهي ما يسعى لإعادتها موحدة جغرافياً واجتماعياً "كما كانت دائماً عبر التاريخ" الى حين تقسيمها لدول عدة باتفاقية سايكس-بيكو السرية الشهيرة بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني.

وللحزب الذي يقع مقرّه الرئيسي في بيروت مع مئات الفروع في معظم دول العالم تقريباً، غاية يلخصها بأنها "بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد الى الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها"، وهي غاية تعززها 8 مبادئ أساسية و5 إصلاحية للحزب، يمكن التعرف اليها بالبحث عنها في الإنترنت.

كتاب "نشوء الأمم" يخرج من وراء القضبان

لم يتلق سعادة سوى القليل من التعليم بدءاً من 1909 في البلدة التي أبصر فيها النور، ثم أكمل دراسته الثانوية في معهد الفرير بالقاهرة التي لجأ اليها والده الدكتور خليل سعادة، وبعدها عاد الى لبنان ودرس في مدرسة برمانا، وفي 1919 هاجر مع إخوته الى أقارب لهم في الولايات المتحدة، ومنها توجه في 1921 الى البرازيل التي سبقه اليها والده، فاشتغل معه بصحيفتين أسسهما والده في سان باولو حتى عاد في 1930 الى بيروت.

وفي البرازيل درس سعادة بنفسه وأتقن البرتغالية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية وبعض الإيطالية، وطالع بها ثقافات وعلوم متنوعة عمّقت من مخزونه في العلم والفكر الإنساني وفي التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وعلوم الإنسان والأدب والسياسة الى حد أثار الدهشة وحمل حتى أعداءه على وصفه بعبقري ونابغة. أما أعضاء الحزب الذين يضعونه في مرتبة التقديس فقبلوا به "زعيم" الحزب الأبدي حتى بعد الممات ووصفوه بما يثير الغيرة والحسد.

وبدأ أنطون سعادة تأسيس "الحزب القومي" بخمسة طلاب في الجامعة الأمريكية ببيروت، فكان سرياً طوال 3 سنوات زمن الانتداب الفرنسي، وفي أوساط الجامعة التي كان يدرس فيها اللغة الألمانية لمن يرغب، فانتشرت دعوته الى المناطق والأرياف في أرجاء سوريا الطبيعية ذلك الزمان، وانتظم فيه المئات بالسر.

ولأن عُمر السر قصير في لبنان، فقد كشفت سلطات الانتداب في 1935 أمر الحزب واعتقلت "الزعيم" وبعض معاونيه، وزجّته 6 أشهر وراء القضبان، وخلالها ألّف كتابه الأول "نشوء الأمم" المعتبر محضن الفكر القومي عند سعادة الذي كان واضحاً منذ البداية في ما يدعو اليه.

كان يدعو إلى سوريا آرام وبابل وسومر وكنعان والحثيين والفينيقيين وغيرهم ممن تعاقبوا عليها بحضارات مميزة عبر آلاف السنين وجعلتها المؤهلة في رأيه لقيادة عالم عربي اعتبر أنه مكون طبيعي من 4 أمم: العربية في الجزيرة العربية، وأمة وادي النيل من مصر والسوان، وأمة دول شمال إفريقيا، إضافة الى الأمة السورية بقيادة حزب أسسه واتهمه أعداؤه بأنه جعله نسخة نازية كارهة لليهود الذين دعا "رجال النهضة القومية" الى طرهم من سوريا.

وعند الفجر رموه بالرصاص قرب شاطئ بيروت

بعد خروجه من السجن أُعادوا اعتقاله في 1936 لإعلانه ما سمّاه قانون الطوارئ الانتدابي "تحدياً للسلطة" وفي السجن كتب كتابه الثاني "شرح المبادئ"، ثم أعادوا اعتقاله من بعدها بعام وهو في طريقه الى دمشق للمشاركة بنشاط حزبي، وبعدها أسس جريدة "النهضة" التي صدرت لعام واحد في بيروت، ثم غادر لبنان في 1938 لتنظيم فروع الحزب في المغتربات، فأسس في البرازيل جريدة "سوريا الجديدة" ثم غادر الى الأرجنتين.

وفي بونس آيرس اضطر سعادة للبقاء مدة الحرب العالمية الثانية لانقطاع خطوط السفر البحري والجوي، فعمل شريكاً مع رفيق في الحزب بالقرطاسية، وأسس جريدة "الزوبعة"، وألّف كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري"، وكتاب آخر بعنوان "الإسلام في رسالتيه: المسيحية والمحمدية"، وتزوج هناك من اللبنانية جولييت المير، فأنجبت له 3 بنات يقمن حالياً في لبنان.

ثم غادر الأرجنتين في 1947 الى لبنان بعد جلاء القوات الفرنسية وخروجها منه ومن سوريا، فاستقبله أكثر من 50 ألفاً من القوميين على المطار، وتم تصوير فيديو لعودته، وهو الذي يظهر فيه سعادة وتبثه "العربية نت" مع هذا التقرير، وفي بيروت أسس جريدة "الجيل الجديد" وعمل على إيجاد مناخ فكري عقائدي انتشر معه الحزب وقويت عزيمته وبدأ يشغل البال الرسمي.

ولم يجدوا حلاً لتوسّعه سوى بتدبير خطة أعدتها السلطة اللبنانية في يونيو/حزيران 1949 بالاتفاق مع حزب الكتائب فهاجم عناصر من الكتائب مكاتب "الجيل الجديد" ومطابعها وأشعلوا فيها النار، وتوترت الأوضاع في بيروت، فعمدت السلطة لملاحقة الحزب القومي نفسه، وطاردت سعادة الذي انتقل الى دمشق ليعلن منها في 4 يوليو/تموز ذلك العام "الثورة القومية الاجتماعية الأولى لإسقاط حكم الطغيان والفساد والتزوير في لبنان".

وأحدث إعلانه توترات إقليمية ومخاوف لدى السلطة التي خضعت لضغوط فرنسية، هي ونظيرتها السورية، وأدت بحسني الزعيم الذي كان يتسلم مقاليد الحكم ذلك الوقت في سوريا، الى تسليمه للسلطات اللبنانية في 7 يوليو/تموز ذلك العام، فحاكموه ليلاً "على السريع وكيفما كان" وفي الساعات الأولى من فجر 8 يوليو/تموز نفذوا فيه الإعدام رمياً بالرصاص قرب شاطئ بيروت.

إعلانات