قمة الثماني ومستقبل الحرب في سوريا

محمد السعيد إدريس

نشر في: آخر تحديث:

أهم النتائج التي توصلت إليها قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى التي عقدت على مدى يومين (17 و18 يونيو/حزيران الجاري) في إيرلندا الشمالية أن الحرب في سوريا سوف تستمر ولكن من دون حسم، أي من دون السماح لأي من الطرفين المتصارعين (النظام السوري ومن يدعمه ويسانده، والمعارضة ومن يقف وراءها ويساعدها) بأن يحقق انتصاراً ساحقاً يمكّنه من فرض شروطه على الطرف الآخر . فالدول الثماني لم تظهر عزماً على حل الصراع بقدر ما أكدت حرصها على إدارته . مؤشرات ذلك واضحة وجلية .

أول هذه المؤشرات الإتفاق على عقد “مؤتمر جنيف -2” في أقرب وقت ممكن من دون أي حديث عن دور أو مصير الرئيس السوري بشار الأسد، هل سيستمر يؤدي دوره رئيساً جنباً إلى جنب مع الحكومة الانتقالية ذات الاختصاصات الواسعة المتفق عليها إلى نهاية ولايته الرئاسية عام 2014 كما ترغب روسيا، وتزيد على ذلك بأن من حقه، كأي مواطن سوري أن يترشح، في أي انتخابات رئاسية مقبلة وإعطاء الشعب السوري وحده حق أن يقول كلمته بهذا الخصوص، أو أن عليه أن يتنحّى كلية عن أي سلطة بمجرد تشكيل الحكومة المؤقتة، واعتبار رحيله شرطاً أساسياً لانعقاد “مؤتمر جنيف -2” كما تصرّ معظم فصائل المعارضة وكما ترغب الأطراف المؤيدة لها (عربية وإقليمية ودولية)؟

ثاني هذه المؤشرات تأكيد الولايات المتحدة قرارها الجديد بتسليح المعارضة السورية بأسلحة وصفت بأنها “فتاكة”، ما قد يوحي بأن الولايات المتحدة أضحت عازمة على الانتصار للمعارضة أو على الأقل تمكينها من الانتصار، لكن الأمر لن يكون كذلك حيث أكدت الولايات المتحدة، في ذات الوقت، رفضها فكرة إقامة منطقة حظر جوي سواء في شمالي سوريا بمحاذاة الحدود التركية، أو في جنوبي سوريا بمحاذاة الحدود الأردنية، أو حتى في أضيق الحدود الممكنة لحماية معسكرات تدريب المعارضة .

فللوهلة الأولى توقّع البعض أن يكون قرار الإدارة الأمريكية بتسليح المعارضة السورية، جاء متزامناً مع إعلانها استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية ضد خصومه في دمشق وحلب، واختراقه بذلك “الخط الأحمر” الذي سبق أن حدده الرئيس الأمريكي أوباما .

كل هذا ثبت أنه محض افتراضات، وأن هناك شيئاً آخر لم تتكشف حقيقيته بعد هو الذي حال دون اندفاع الولايات المتحدة إلى التخلص من نظام بشار الأسد حيث نقلت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عن بن رودس نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي قوله إن الحظر الجوي “ليس الحل الذهبي” لمشكلة سوريا، وبينما أكد أن “السلاح في طريقه إلى الثوار في سوريا”، علل معارضة البيت الأبيض فرض منطقة حظر جوي بأن “القوات النظامية والمعارضة مشتبكة في كل شارع من شوارع المناطق التي يدور فيها القتال، وأن هذا الوضع لا يمكن أن يُحَلّ عن طريق الضربات الجوية” .

أكد هذا التوجه السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) إيفو رادلر الذي قال إن الولايات المتحدة “لم تطلب من الحلف فرض منطقة حظر جوي في سوريا، وإن هذه المسألة ليست ضمن جدول أعمال الحلف حالياً” .

صحيفة “نيويورك تايمز” حاولت أن تفسر خلفيات التراجع الأمريكي متجاوزة تحسبات الرفض الروسي في مجلس الأمن، حيث أرجعت هذا كله إلى أسباب تخص المشروع السياسي للرئيس الأمريكي أوباما الرافض للحرب والحريص على إبعاد الولايات المتحدة عن التورط في أي حرب خارج أراضيها، وأن يكون عهده هو “عهد السلام” على أمريكا .

إلى أي حد يمكننا أن نثق بهذا التفسير الأخلاقي لمسألة هي، في إدارتها، تكون أبعد ما تكون عن الحسابات الأخلاقية، ونعني مسألة الحرب المرتبطة بالمصالح والمشروعات الاستراتيجية لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة؟

السؤال مهم وله علاقة بما أشرنا إليه بخصوص أبرز وأهم نتائج قمة الدول الثماني بخصوص الأزمة السورية، وهي إدارة الحرب وإطالة أمدها وليس حلها . فقد حرص قادة هذه الدول في توصياتهم على الإشارة إلى ما أسموه ب”الخطر المتنامي للإرهاب والتطرف في سوريا”، وطالبوا: “السلطات السورية والمعارضة بالالتزام بتدمير كل المنظمات المرتبطة بتنظيم القاعدة”، معبرين عن أسفهم لأن الطابع “الطائفي” يطغى بصورة أكبر على النزاع .

هذه هي أهم وأخطر توصية، هم يعرفون أن ذلك يعني استمرار القتال .

المطلوب أن الكل يقاتل الكل، وأن تبقى الحرب ممتدة، وتتحول من حرب لإسقاط النظام بهدف تمكين الشعب السوري من حقوقه في الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة، إلى حرب طائفية، هي نوع آخر من الحرب المدمرة للعرب والمسلمين . وهذا هو المبرر الأهم لاستمرارها لأطول مدة ممكنة .

* نقلا عن "الخليج" الإمارايتة


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.