التغيير الأميركي والضربة الأميركية

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

تغيرت الأجواء بالولايات المتحدة تماماً. فقد استدعى الرئيس الأميركي زعماء الكونجرس من إجازاتهم، وخاضوا أمام الإعلام وفي أجواء مفتوحة نقاشات هائلة يومي الثلاثاء والأربعاء. وستظل النقاشات دائرة حتى يوم 9/9 عندما ينعقد الكونجرس للتصويت. وما كان الموضوع الحزبيات ومن هو «ديمقراطي»، ومن هو «جمهوري»، بل صار التفوق الأخلاقي الأميركي، والمسؤولية الأميركية عن أمن العالم وسلامه وتوازناته. وقد بدا «الجمهوريون» متحمسين أكثر من «الديمقراطيين» للتدخل العسكري في سوريا، وطالبوا بأن تكون الضربة أكبر وأوسع. سافر الرئيس الأميركي إلى السويد، ليمضي بعدها إلى سان بطرسبيرج لاجتماع قمة العشرين، وليلتقي الرئيس الروسي بوتين. وقد يكون بين عوامل الحماس وشبه الإجماع أنّ الأميركيين أرادوا أن يذهب رئيسهم لاجتماع العشرين، وللقاء الروسي، ووراءه دعم كبير، يستطيع به أن يحقّق إنجازاً ملائماً من أجل هيبة أميركا، ودورها في العالم، سواء حصلت الضربة أم لم تحصل. لقد تغيّر الموضوع بالفعل، وما عاد الأسد ظاهراً ولا حتى الإيرانيين، والإسرائيليون هم الموضوع، بل صار الموضوع ماذا جرى لهيبة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، سواء في سوريا وأزمتها، أم في فلسطين، أم في النووي الإيراني.

أتى أوباما إلى موضوع الضربة العسكرية للنظام السوري من المدخل الأخلاقي، ويبدو أنه يعرف الشعب الأميركي أكثر بكثير مما يعرفه الصحفيون والإعلاميون الأوروبيون وبعض الأميركيين. هؤلاء الإعلاميون عادوا للحديث الذي لم يتوقف عن تردد أوباما، وأنه لا يريد على الإطلاق العودة إلى خوض الحروب في المشرق والعالم الإسلامي كما فعل بوش الابن. وأسْرف الإعلاميون في تحليل تأثير تصويت مجلس «العموم» البريطاني على الرأي العام الأميركي. فبريطانيا ذات تأثير أخلاقي كبير على الأميركيين. والإعلاميون معذورون إلى حدٍ ما، لأنّ أوباما تردد بالفعل في الملف الفلسطيني، وفي الملف العراقي، وفي الملف النووي الإيراني، وفي التغيير المصري أخيراً. بيد أنّ اللافت للانتباه أنه أتى إلى الملف الكيماوي السوري من مدخلين: المدخل الأخلاقي، ومدخل المصلحة القومية الأميركية، ولذلك ما عاد من المفيد رؤية الأمر تقليدياً في ضوء تصرفاته في الملفات السابقة. وقد قال وزير الخارجية كيري في مطالعته المعروفة المؤيِّدة للضربة إنها ستكون أيضاً رسالةً إلى إيران وكوريا الشمالية! فإذا كان الكيماوي الأسدي يستدعي تدخلاً عسكرياً للمحاسبة والإيقاف؛ فإنّ النووي يستدعي بالضرورة تدخلاً أوسع وأكبر. وهكذا فإذا أردْت أن تنتصر في المعركة فافعل فِعْل عنترة بن شداد: كنتُ إذا رأيتُ رجلاً ضعيفاً ضربتُهُ ضربةً يرتعد لها قلب الشجاع!

ولنُلق نظرةً عجلى على السياسات الأميركية العسكرية والاستراتيجية في عهدي بوش وأوباما. في الرئاسة الأولى لبوش جرى خوضُ حربين في أفغانستان والعراق. وقد بدت الحرب الأُولى ضروريةً بسب هجوم بن لادن و«القاعدة» على الولايات المتحدة وهو قابع في أفغانستان. أما الحربُ الثانيةُ على العراق فما بدت ضروريةً على الإطلاق. لكنّ الولايات المتحدة خسرت استراتيجياً في الحربين رغم الانتصار العسكري الأوَّلي. خسرت في أفغانستان لأنّ «طالبان» قرينة «القاعدة» ربحت الحرب عملياً، والولايات المتحدة مضطرة للتفاوُض معها(وليس مع حكومة كرزاي التي نصّبتها). وخسرت في العراق، لأنها غادرت بلداً مضطرباً عام 2010/2011 وهو ما يزال كذلك حتى اليوم. وما دامت الخسارة قد وقعت على طرف، فمن هو الطرف الذي انتصر أو استفاد؟ المستفيد الأكبر من التصرفات الأميركية في أفغانستان، وفي العراق على الخصوص: إيران وحدها. فقد زالت «طالبان» من وجهها مؤقتاً، وزال من وجهها صدام ونظامه إلى الأبد. وقد اضطرت الولايات المتحدة وهي تخرج من العراق أن تعترف لإيران بمناطق نفوذ في العراق وفي سوريا وفي لبنان. وقد اعتقد الإسرائيليون لأول وهلة أنهم مستفيدون بضرب قوة العراق، وبالهدنة أو السلام مع «حزب الله»، الذي لم يعد للتحرش بهم منذ عام 2006. لكنْ يظهر الآن، بل ومنذ عام 2011 أنّ الإسرائيليين والأميركيين خسروا معاً في الملف النووي، وفي انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة. وما توقفت الخسائر الأميركية الاستراتيجية عند هذا الحدّ. إذ رغم الاستتباع للسياسات الإسرائيلية، فإنهم عجزوا أيام بوش وأيام أوباما عن التقدم خطوةً واحدةً باتجاه حلّ النزاع المتفاقم. لأنّ الإيرانيين كما دخلوا في النووي المهدِّد، دخلوا أيضاً في الصراع ضدّ إسرائيل حاملين الراية الفلسطينية. وجاءت الأزمة السورية أخيراً لتُدخل الروس على الخطّ، وليتراجع الأميركيون أمامهم على طول الخطّ. فقد دعم الروس ودعم الإيرانيون وعسكرهم وأتباعهم نظام الأسد، وقالوا علناً إنهم يفعلون ذلك في وجه الولايات المتحدة. وقد عَّلل كثيرون منا في البداية تردد أوباما في معالجة الحرب في سوريا، بأنّ إسرائيل ما قبلت بإسقاط النظام السوري، لأنه هدَّأ الجبهة معها على مدى أربعين عاماً وأكثر! بيد أنّ هذه «الفائدة» إنْ كانت (وهي ليست مؤكَّدة)، لا تُعادلُ ما حصل من تراجع في الملف السوري للهيبة الأميركية والمصالح الأميركية، تجاه إيران وتجاه روسيا الاتحادية. وبالنظر إلى هذه الخيبات كلّها، والتي تسبّب بها بوش الابن لكنّ أوباما تابعها أو حصد نتائجها، جرى الحديث كلَّ الوقت عن خيبة الولايات المتحدة وانسحابها من المنطقة، والتوجه نحو الشرق، نحو الصين والمحيط الهادئ.

وكلُّ هذا، ونحن لم نذكر بعد الخاسر الأكبر من وراء حروب بوش، و«سلامات» أوباما! الخاسر الأكبر بالطبع هم العرب. فقد خاض بوش الحروب ضدَّهم عَلَناً باعتبارهم جزءاً من الإرهاب «القاعدي»، وقد حاول أوباما إرضاءهم بالخطابات العاطفية الطويلة والمتصالحة، دون أن يفعل شيئاً على الأرض: في الملف الفلسطيني، وفي الملف السوري، وفي ملفّ التخريب الإيراني بسائر أنحاء المنطقة.

وما اهتم أحد في الإعلام بالخسائر العربية، بل كان همُّ الإعلاميين التأكيد على انكفاء أوباما للداخل، ومماحكاته مع «الجمهوريين»، وانتهاكات روسيا والصين ضد الهيبة الأميركية والمصالح الأميركية في ملفّات متعددة. وقد لاحظ كثيرون أنّ أوباما أراد مدخلاً للعودة الظافرة ولو معنوياً، بالإعلان عن دعمه لحركات التغيير العربية. لكنه خاب في مصر، وأُحرقت أعلامُه، وبدا ضعيفاً ومتهالكاً في الأزمة الليبية وفي الأزمة السورية. وقد عنى هذا كلُّهُ أنه لا بد من أجل استعادة الهيبة من عمل عسكريٍّ من طبيعة مختلفة عن طبائع حروب بوش على الإرهاب! لا بد من «حرب عادلة» بالمعايير الأخلاقية. وهكذا فقد دخل على الأزمة السورية متأخّراً ولكنْ من مدخلين يمسّان الحساسيات العميقة للشعب الأميركي: المدخل الأخلاقي، ومدخل المصالح والهيبة. وبالإضافة لذلك، فإنه يصنعُ شيئاً للعرب الذين تضرروا من سياسات القوة أيام بوش، وسياسات الانكفاء أيامه. لقد استخدم الأسد الكيماوي من العيار الثقيل، بعد أن كان قد استخدمه من العيار الخفيف طوال عامٍ ونصف العام. وصرخ الأوروبيون ثم ركدوا، أما الأميركي فحسبها جيداً ودخل من مدخل أميركي ظاهر، وليس من مدخل الصراع مع روسيا أو مع إيران. وتردد الأميركيون ثم هبّوا ليقفوا إلى جانب رئيسهم المحارب للمرة الأُولى في ولايتيه، بيد أنّ التغيير في السياسات الأُوبامية ما حدث في سوريا فقط، بل حدث في المفاوضات الإسرائيلية/الفلسطينية التي وصلت إلى جولتها السابعة دون أن ينتبه إليها أحد!

ستحصل الضربة الأميركية في الغالب بعد هذا الاستنفار، لكنها حتى وإن لم تحصل فإنها شفت أميركا من خوفها بسرعة كبيرة، وليس كما حصل في فيتنام. لقد عادت لتملي المعايير الأخلاقية للنظام العالمي (معاقبة من يستخدم أسلحة الدمار الشامل) التي أهملها الآخرون، وفي الطليعة الروس والصينيون، والبريطانيون المصوّتون في مجلس العموم! وقد لا يكون أوباما عميق الفهم في أزمات الشرق الأوسط، لكنه بالتأكيد عميق الفهم للشعب الأميركي ومحرّكاته.

* نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.