داعش والإعلاميون السوريون

ناديا البلبيسي

نشر في: آخر تحديث:

في هذا الصيف كان لي شرف التعرف على مجموعة من الشباب السوريين من أرقى النوعيات في الأفكار والمبادئ والأخلاق, يعملون دون مقابل يحاولون تغيير وضع مرير, يؤمنون بقضية عادلة وبشعب يطالب بحقه وحريته, أبوا أن يغادروا وتعرضوا لقصف جوي يومي من طيران النظام السوري لكن هذا لم يرعبهم.

معظم هؤلاء خريجو جامعات من تخصصات مختلفة, اجتمعوا وأسسوا راديو, لم تكن هذه مهنتهم لكنهم كانوا مصممين, واستطاعوا أن ينجحوا رغم الظروف الصعبة وانقطاع الكهرباء وعدم توافر الإنترنت.

ورغم القصف والبرد فقد قضوا ساعات وأياما ليرى هذا المشروع النور, سموه "راديو فرش" حيث بدأوا بإذاعة الأخبار ثم طوروها لبرامج تثقيفية وثورية ووطنية.

ليلة أمس دخلت قوات تابعة لدولة العراق والشام الإسلامية المعروفة باسم داعش وصادرت أجهزتم وكسرت مكتبهم واعتقلت كل العاملين هناك, هذا المكتب هو عبارة عن بيت لمحام ناشط من أهل الضيعة أعطى المكتب للشباب دون مقابل ومن السخرية أن هذا البيت تعرض أيضا لمداهمة وتدمير وسرق محتوياته قبل عامين لكن على يد قوات النظام السوري.

المكتب الإعلامي هو في ضيعة كفرنبل في شمال إقليم إدلب, هذه الضيعة التي عرفت العالم علي معاناة المدنيين السوريين من خلال اللافتات الشهيرة وأسلوب المقاومة السلمي واللاعنيف. كفرنبل وكغيرها من بلدات الريف الشمالي لم تسلم من القصف الجوي للطيران السوري.

أكثر من مرة كانت القذائف تنفجر بالقرب من المكتب لكن الشباب بقوا في طابق أرضي يعملون على مدار الساعة, كانوا يواجهون مشاكل في الإعداد والتدريب والبث لأن خطوط الهاتف قطعت عنهم منذ عامين.

واجهوا مشاكل تقنية لصعوبة بث البرامج وتحميلها على الإنترنت, فالخطوط تتقطع والمازوت الذي يشغل به المولد ينفد وبرد الشتاء يتسلل عبر الشبابيك غير المحكمة لكنهم كانوا مصممين, ومتسلحين بعزيمة وإيمان بأنهم يقدمون شيئا إيجابيا صغيرا لمجتمع دمرته الحرب وهجرت أهله.

بعض هؤلاء الشباب نزحت عائلتهم إلى مخيمات اللاجئين في تركيا, أما هم فقد بقوا لبث برامج توعية للمواطنين عبر الراديو, أحد البرامج مثلا كان عن الإسعافات الأولية في حال تعرض الأطفال للقصف أو إصابتهم بحروق وهناك برامج دينية تثقف المستمعين عن موقف الشريعة من أمور حياتية, في آخر دورة برامجية استحدثوا برامج للأطفال وللمرأة لكن الأهم أن راديو "فرش إف إم" كان يبث الأخبار كل ساعة, يعلم السكان بأماكن سقوط القذائف وعدد المصابين والقتلى وأسمائهم .

بمجرد اعتقالهم نشط باقي الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي فنشروا صورا للمكتب المدمر والأجهزة التي سرقت وأسماء الشباب المختطفين.

كفرنبل لا تخضع لسيطرة الجماعات المتطرفة مثل داعش لكنهم أتوا من الخارج مدججين بالسلاح, حطموا وكسروا الأجهزة وقضوا على حلم الشباب ومعه كل تعب الأشهر الماضية برؤية هذا المشروع وليدا يخرج إلى العالم.

داعش تستهدف كل إعلامي سوري يعمل ضد النظام, تخطف وتسجن وتقتل وتعدم وتنحر رقاب شباب وبنات آمنوا بحقهم بحياة أفضل, رفضوا الظلم وأردوا مجتمعا يأخذ فيه السوري كامل حقوقه.

مجتمع متسامح لا يميز بين دين أو طائفة ولا يحمل طائفة بأكملها ذنب عائلة حاكمه لكن هذا لا يروق للجماعات المتطرفة التي تذكرني بجيش التتار الذي أجهز على أهم معلم تنويري وثقافي في بلاد الرافدين, مكتبة بغداد, حرقها لأنه لا يقيم للعلم أو الثقافة وزنا, يعتقد أن قوة السلاح سترهب الناس .

لماذا تحارب داعش الفكر وتبث الذعر بين صفوف المواطنين, وتستخدم الترهيب والقتل لمعاقبة السوريين؟ أي إسلام هذا الذي توظفه لخدمة مأرب ومصالح أطراف تريد حرق سوريا وتدميرها, ألا يكفي السوريون سياسية التجويع والتركيع والحرق والتهجير التي يمارسها النظام, ألم يشبعوا من شلالات الدم التي تعبد طريق كل ضيعة سورية.

لماذا تحارب داعش الإعلاميين السوريين وتستهدفهم لمن تعمل هذه الحركات ومن يمولها؟

القائمة طويلة للذين خطفتهم وقتلتهم داعش، قبل الزملاء في راديو فرش, والذين أفرج عنهم لاحقا, اختطفت لؤي أبو الجود، وهو من أشجع وأطيب الشباب الذين قابلتهم, خطفوه في حلب التي لم يستطع لؤي أن يعيش خارجها, ماذا كان ذنب لؤي؟ إنه إعلامي حر ينقل للعالم ما يجري في حلب؟ لماذا تعتقله داعش؟ ولماذا قتلت محمد سعيد, وخطفت عبدالوهاب الملا والقائمة تطول.

من الذي يمول هذه الحركات الظلامية التي تريد أن تحرق وتدمر وتشعل نارا في أفكارنا بدلا من النور الذي حاول الشباب بثه عبر الراديو المتواضع, إلى متى سنصمت على إرهاب ما يسمى بدولة العراق والشام.

إلى متى يتم استخدام الدين بأبشع الصور, ألم تكن أول كلمة من الوحي جبريل إلى الرسول عليه السلام "اقرأ"، لم تكن اقتل أو اخطف, أو انحر, بل كانت اقرأ, تعلم وانشر ثقافة الفكر والنور بدلا من الجهل والتخلف, عظمة الإسلام كانت في انفتاحه على الثقافات الأخرى وترجمته للكتب وتشجيعه للعلوم والبحث.

عظمة هذا الدين أوصلته إلى الأندلس وإلى أطراف الصين ليس من خلال ترهيب, داعش وتطرفها بل بتسامح الإسلام وتقدمه وانفتاحه, كلمة أخيرة للتأمل, أسماء الله الحسني كثيرة ومنها المنتقم والجبار لكن الآيات القرآنية جميعا تبدأ بالرحمن الرحيم فحتي الرحمة لا تعرفها داعش فكيف إذن هي مسلمة وتدعي الإسلام؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.