"قصة من حمص" بين ظلم الحصار وفرحة الحرية

صراع داخلي دائم لدى الكثيرين من أهل الحصار بين الخروج منه والبقاء بداخله

نشر في: آخر تحديث:

"الحمد لله على السلامة"، "الله يهني أهلك فيك".. "شو عما تاكل"، "كيف الحالة عندكم".. هي كلمات بين محاصر وخارج من الحصار بعد 560 يوماً من فقد الحرية، فرحته بخروجه حيا لا تعادلها إلا فرحة خروجه من الحصار، وصوله إلى بر الأمان وتجاوز حواجز الأمن والجيش وحواجز عصابات الحصار التي منعت بعدة طرق خروج المحاصرين هو عمل بطولي أصبح موضوع الحصار لعدة أيام.

وتعرض المحاصرون في الأحياء الحمصية لحرب داخلية وأخرى خارجية، حرب استماتت فيها قوات النظام وأتباعه للدخول إلى الأحياء المحاصرة والقضاء على من فيها وحرب من نوع آخر للحفاظ على سلطة بعض أمراء الحرب الذين لم يجدوا أنفسهم أمراء إلا باستغلال عاطفة الناس وتأجيج مشاعرهم للبقاء داخل الحصار ومرات بالتحكم بأي إمكانية للدخول والخروج إلى الأحياء المحاصرة, حتى أصبح كل شيء ظاهرا, تجارة علنية يرعاها أمراء الحرب بما تستروا به من الأغطية الأيديولوجية والدينية فهمهم الأول والأخير الحفاظ على سلطتهم التي بنيت على حساب دماء المئات من المحاصرين.

كما سخر رجال الدين في أغلبهم ليكونوا رعاة لرغبات تجار الحصار وأمرائه، فحرموا وحللوا, وغلظوا من الوعيد لكل راغب في الخروج, تارة بوعيد العذاب للفار من المعركة, ومرات باستجداء نخوة الرجولة والعاطفة لدى المقاتل بذريعة "أتخرج وتترك خلفك الأطفال والنساء"، أتخرج وتترك حمص خلفك ليحتلها جند الأسد وأتابعه", في حين علت بعض الأصوات لرجال دين آخرين توضح كل ما يجري وتقف موقف الحق ضد أمراء الحرب وأمراء السلطة وتجار الدماء, وتطالبهم بعدم استغلال العوائل كسبب للحفاظ على الحصار ومصدر لاستجرار الأموال وإخراجهم وفتح الطريق لمن أراد الخروج فلا إجبار في هذا القتال، لكن لا قوة لديهم لفرض ما يجب على هؤلاء المتحكمين بكل مفاصل الحصار, ولا قدرة على محاربة أفعالهم, فسخروا وجندوا أتباعهم لتفشيل أي عمل يقوم به شيوخ الحق، إن أمكن تسميتهم بالكلام أو الأفعال.

صراع داخلي دائم لدى الكثيرين من أهل الحصار بين الخروج من الحصار وبين البقاء بداخله, بموانع قد يكون من السهل كسرها في أوقات معينة, ولكن تبقى فرص الخروج قليلة عبر أنفاق سرية تحكم فيها أمراء الحرب ليدخلوا ما يريدون "حتى أدخلت الأرانب الحية... فقط لهم", فالبعض استطاع الخروج مستعينا ببعض المعارف أصحاب السلطة, وآخرون استعانوا بالقوة وآخرون خرجوا من طرق لا يحكمها تجار الحروب, طرق راقبوها لأسابيع قبل أن يغافلوا حواجز الأمن والجيش ويخرجوا بسرية تامة من طوق الحصار إلى الحرية.

زيادة الضغوط والنقص الحاد في مقومات الحياة الأساسية من طعام وماء وكهرباء, إضافة إلى الضغوط النفسية الداخلية من ظلم الحصار والضغوط الخارجية من معاناة عوائلهم خارج الحصار لنقص في مال أو مسكن لعدم وجود معيل لهم, دفع البعض للدحول في مغامرة المخاطرة والخروج من طرق عرف تفاصليها وراقبها لعدة أشهر دون أن يجد فيها تلك الاستحالة التامة للمرور عبرها, فعبارة انتشرت في أيام كثيرة داخل الحصار "حصارنا وهم, محاصرنا النظام بمية عسكري بالكتير, وهما زرعوا وهم فينا بالآلاف العساكر مطوقين الحصار".

هذه العبارات إضافة إلى المراقب لخطوط التماس مع جبهات الأعداء أعطت للبعض اليقين بإمكانية الخروج بقليل من المجازفة واختيار الوقت المناسب, خرج البعض ووصل إلى بر الأمان سالما وآخرون تعرضوا لإطلاق نار مباشر وآخرون تم اعتقالهم بعد إصابتهم لتبقى فرصة الخروج حيا لدى البعض بما فيها من مجازفة مرجحة أفضل من الانتظار تحت ظلم تجار الدماء والحروب والتحكم بأقوات الناس.

" يومين" هي كلمة أصبح من المعتاد سماعها لأي متحدث عن الحصار, فمنذ اليوم الأول على الحصار, ومسؤولو الحصار والقائمون بأمره يعدون المحاصرين من مدنيين وعسكريين بفتح قريب في الأيام القليل القادمة بمعارك وهمية بأغلبها توقفت لأسباب مجهولة على أبواب حمص, حتى أضحى كل محاصر متيقنا من مؤامرة متفق عليها بين أمراء الحرب داخل الحصار وخارجه, كل عمل عسكري كان يهدف لفتح طريق يصل الحصار بمناطق أخرى أهمل أو غيرت وجهته, وأخرى توقفت متذرعة بأسباب وهمية من نقص في المال أو العتاد أو العدة محولة بعض نقاط تمركز النظام لقلاع لا يمكن اختراقها متجاوزة مناعة أسوار "عكا" لكسب المزيد من الحجج، حتى أصبحت الأحياء المحاصرة, بابا لكل ضعيف نفس حتى يسرق أو يبني ملكا أو يكون عصبة تأتمر بأمره بحجة رفع الحصار عن المحاصرين.. وتختصر مدينة حمص بأريافها الواسعة بتحويل الدعم إلى الأحياء المحاصرة ولمعارك فك الحصار الوهمية, دعم لم يصل منه إلا جزء وصل لأيدي أمراء الحرب فحولوه إلى أداة للسيطرة على المحاصرين باستغلال حاجتهم الحياتية أو حولوه إلى أبنية وسيارات سجلت بأسمائهم وعاش فيها خاصتهم من عوائلهم ..

لتبقى حكايات ظلم الحصار على كثرتها تنتظر من يرويها ويكشف خفاياها ويفضح كل من ساهم باستمرار حصار القرن الحادي والعشرين على الأحياء الحمصية المنسية.