تدمر الأثرية من داعش للأسد.. شهادات من أهلها

المدينة صاحبة القصة الحزينة.. دمار شامل ومعاناة

نشر في: آخر تحديث:

دخل جيش نظام الأسد وقواته إلى مدينة تدمر، يوم الأحد بتاريخ 27 من مارس الجاري بعد معركة واسعة مع تنظيم داعش، الذي سيطر على المدينة لمدة 10 شهور ماضية.

قام النظام وبدعم جوي روسي مركّز منذ ثلاثة أسابيع مضت ببدء معركة في المناطق الشرقية لمدينة حمص، مستغلاً قرار وقف إطلاق النار في الأراضي السورية ليحقق نصراً بدخوله مدينة تدمر، وذلك بعد خلوها تماماً من أهلها في عملية نزوح كانت أشبهَ بالمَضي نحو الموت.

ازدادت عملية النزوح في الشهرين الأخيرين بعد أن بقي في المدينة حوالي 5 آلاف مدني لم يبقَ منهم في الأسبوع الماضي إلا نحو 400 مدني فقط، وعند اشتداد القصف غادر الجميع باتجاه الشرق إلى منطقة السخنة والرقة وريفها وريف دير الزور ومنهم من قد وصل إلى تركيا والأردن، ليعيشوا حياة نزوح ربما كانت على معظمهم أشد قسوة من الموت الذي عرفوا مذاقه في مدينتهم التي عاشوا فيها أصعب أيامهم وحياة قاسية لا ماء فيها ولا كهرباء ولا اتصالات ولا مقومات للحياة، غير انهيار المباني وتدميرها وهدير الطائرات الحربية التي تحمل الحمم.

نزوح مرير والموت يلاحق المدنيين

ذاق من كان يخرج من المدينة مرارةَ الموتِ، بسبب الخوف الدائم الذي كان يسيطر على الموقف، وعدم تأمين ممرات آمنة لخروجهم، لذا لجأ البعض للخروج عن طريق بعض السيارات المركونة في شوارع المدينة والبعض الآخر خرج على دفعات في رحلة شاقة لم تخلُ من الصعوبات الخطرة التي تترافق مع طيران كان يقصف ليلاً نهاراً لكل ما يتحرك، إضافة لعدم توفر وسائل نقل كافية، مما اضطر الكثيرين إلى مشي مسافات وصلت إلى 12 كيلومترا على الأقدام للوصول لمكان شبه آمن.

"أم خالد" (74 عاما) بقيت في المدينة برفقة ابنتها وابنها وزوجته حتى اشتداد المعارك، وكانت من آخر الناس الذين خرجوا بعد أن بقيت أسبوعاً كاملاً في قبوٍ مظلمٍ خوفاً من القصف.

"أم خالد" وعند خروجها مشت مسافة 10 كيلومترات على الأقدام حتى وصلت لسيارة تنقلها إلى مدينة الرقة، بعد بقائها مدة يومين عالقة في منطقة اسمها وادي الأحمر شمال تدمر، والقصفُ يلاحقهم هنا وهناك.

داعش دخل تدمر.. والمدنيون يتابع هجرتهم

بعد ممارسات النظام الهمجية التي مارسها ضد أهالي مدينة تدمر، والتي قادت شبابها للهجرة بسبب السوق للخدمة الإلزامية والاحتياطية والكثير من الأفعال الإجرامية كالاعتقال التعسفي والإهانة والابتزاز.

خلا نصف المدينة من السكان حتى تاريخ الثالث والعشرين من مايو عام 2015م حيث كانت أشبه بمسرحية هزلية لدى هجوم تنظيم داعش على مدينة تدمر، من خلال دخولٍ سهلٍ للمدينة بدأه في اليوم الأول بدخول حي العامرية، ثم الجمعية الشمالية، ثم وصلوا إلى فرع الأمن ولم تتم أي مواجهةٍ ناريةٍ حقيقية.

"أطباء المشفى" طُلب منهم تركُها والخروج من المدينة، وقد حدّثنا أحدهم أن النظام قد سمح للكادر الطبي بالمغادرة منذ ظهيرة يوم الانسحاب، وقبل أن يبدأ داعش بأي هجوم على المدينة، وعند الساعة السادسة مساءً حدث أمرٌ جلل وإطلاق نار كثيف، ليختفي جنود الأسد من كامل أنحاء المدينة وبعد فترة بدأت رايات سوداء تجول المدينة حتى الصباح، حيث بدأت عملية تمشيط للبيوت وقطع رأس كل من له مسمى بجيش النظام ذكوراً كانوا أم إناثا، والإناث كن يقتلن بإطلاق الرصاص في عملية منظمة مع وجود قوائم معدة مسبقاً.

الناشطون في المدينة أكدوا أن التنظيم لم يترك حياً في المدينة أو ساحة إلا ونفذوا فيها أحكاماً لتطويع المدينة عن بكرة أبيها، إضافة لقطع الاتصالات الخارجية وتركيب منظومة اتصال داخلها وقطعت الكهرباء وقل الماء، ثم وصلت دواوين داعش وبدأت دورات استتابةٍ للموظفين بحجة عملهم مع "نظام نصيري".
لتبدأ بعدها بطولات النظام الأسدي التي لم نرها أثناء دخول تنظيم داعش فالطائرات تلقي بمقذوفاتها دون تمييز، والأهالي ينزحون إلى الرقة وحمص وتركيا والأردن.

الناشط الإعلامي "خالد الحمصي" عضو تنسيقية تدمر أفاد بخروج قسم كبير من سكان المدينة بدايةً تحت قصف جوي لم يكن يميز أي هدف، فالجميع مستهدفون هنا والجميع مصيرهم الموت.

فسبب النزوح الرئيسي هو القصف، إضافةً إلى أن أكثر من نصف أهل المدينة موظفون يعيشون على دخل رواتبهم من قبل النظام، والتي انقطعت بعد سيطرة التنظيم على المدينة وبعد فترة خرجت نسبة قليلة بسبب ممارسات ومضايقات داعش وأوامره.

تدمر المدينة الأثرية دمارها مؤسف

بعد استعادة جيش نظام الأسد لمدينة تدمر، تم الوقوف على حال المدينة الأثرية وآثارها المتمثلة بقلعتها الأثرية والمسرح الأثري، الذي استخدمه التنظيم في تنفيذ إعداماته وأفلامه والمتحف الأثري وقوس النصر ومعبد بل وغيرها.

وقد دمر مقاتلو التنظيم مواقع أثرية في تدمُر بعد الاستيلاء عليها، وتحولت مواقع أثرية إلى حطام، من بينها معابد وقوس النصر وأبراج للدفن، وقد نُشرت صور جديدة لمدينة تدمُر أظهرت مدى الدمار الذي ألحقه التنظيم بآثار المدينة خلال فترة سيطرته عليها وبقي الكثير من أطلال المدينة سليم.

وقال رئيس هيئة الآثار السورية، مأمون عبدالكريم، لوكالة فرانس برس، إن السلطات كانت تتوقع ما هو أسوأ من ذلك.

يذكر أن داعش قتل علماء آثار ظلوا قائمين على رعاية آثار المدينة على مدار 40 عاما، تلك المدينة التي صنفتها منظمة الأمم المتحدة مدينة للتربية والعلم والثقافة و(اليونسكو) كموقع للتراث العالمي.

وقد كشف مراسل صحيفة "الديلي تلغراف" لشؤون الشرق الأوسط، "راف سانشيز" عن صفقة سرية بين نظام بشار الأسد وداعش فيما يخص آثار مدينة تدمر .

ونقل "سانشيز" عن المدير العام للآثار السوري، مأمون عبدالكريم، قوله إن النظام عمل سرا على إقناع داعش بالإبقاء على آثار مدينة تدمر، خلال الشهور العشرة التي سيطر فيها على المدينة.

وفي التفاصيل قال مأمون إن النظام عمل مع "حوالي 50 شخصا من المدينة لإقناع التنظيم بعدم محو معالم تدمر الأثرية خلال سيطرته على المدينة".

إرهابي يتصف بمحاربة الإرهاب

أوردت صحيفة الـ "صنداي تيليغراف" في عددها الصادر صباح يوم الثلاثاء 29 مارس 2016 معلومات وصفت بالصادمة والمثيرة عن المعركة التي أدت إلى تحرير مدينة "تدمر" تحت مسمى "مناورات مشتركة أم معركة حقيقية" ان تلك المعركة التي روجت لها وسائل الإعلام على أنها معركة طاحنة، لم تسجل سقوط ضحايا من الطرفين في واقع الأمر.

وقال السيد "روبرت" إنه وفريقه تمكنوا من رصد العديد من الأسماء التي قدمها التنظيم المتطرف على أنهم مقاتلون تابعون له، وقد سقطوا في تلك المعارك، إنما هم مجموعة من المقاتلين التابعين لفصائل إسلامية وفصائل معارضة أخرى، كان قد أسرهم التنظيم إبان سيطرته على مناطق متفرقة.

وأكد السيد "روبرت" أن قوات النظام السوري في المقابل أعلنت عن سقوط قتلى قضوا في تلك المعارك، وتبين لدى فريق العمل أنهم سقطوا في مناطق أخرى كدمشق وحلب.

ووثق فريق العمل الذي يقوده السيد "روبرت" أسماء مقاتلين أعلن النظام السوري عن سقوطهم في معارك المدينة الأثرية، بينما في واقع الأمر هم عسكريون منشقون كانوا قد خضعوا لمحاكمات عسكرية بسبب انشقاقهم عن النظام السوري منذ عدة أشهر وفي عبارة مثيرة للدهشة قال السيد روبرت: "يبدو أن كلا من الأسد والبغدادي يقومان بخداع العالم، ويشترك بتلك الخديعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين"، الذي عجزت طائراته عن قصف أرتال التنظيم المتطرف المنسحبة، رغم ضخامة أعدادها ووجودها في أرض مكشوفة منبسطة.

المحارب المقدام، والقوة الوحيدة القادرة على مقارعة الإرهاب في سوريا صفة لطالما سعى النظام لأن يصف بها نفسه، لكن هل ستنسى دول العالم والشعب السوري ما قد ارتكبه نظام الأسد وأزلامه من مجازر بحق أطفال مدينة الحولة وأطفال حي كرم الزيتون وحي السبيل والحصوية وحديقة ألعاب أطفال حي الوعر في حمص، وقصف الكيماوي في ريف دمشق كل تلك المجازر التي سجلها التاريخ والتي حصدت مئات آلاف أرواح القتلى من الأطفال والنساء والمدنيين وما زال يرتكبها حتى لحظتنا هذه.

وأخيراً من كان سبب تحويل مدينة مثل تدمر التي كانت تسمى "بعروس البادية السورية" ومقصداً للسياح إلى رقعة من الأطلال يبكيها كل من ينظر لها بعيداً كان أم قريب.

يذكر أن تدمر مدينة مكتظة بالمدنيين، خصوصاً في بداية انطلاقة ثورة الحرية والكرامة يسكنها نحو 120000 نسمة من سكانها الأصليين الذين استضافوا في بيوتهم وأراضيهم، نحو 50000 نسمة نزحوا إليها من أحياء حمص وقراها بسبب بطش النظام وظلمه.

ليعيش نحو 170000 مدني في طوق فرضه النظام من كل الجهات وتحت حكم الحديد والنار، فمن غربها يقبع فرع الأمن ومن الجنوب المنطقة الأثرية والفنادق المرتفعة التي وضع عليها القناصين ومن المنطقة الشرقية سجن تدمر وبيت الرعب لكل الشباب السوريين وأخيراً المطار في الشمال الشرقي من المدينة.