ماذا بقي للعلويّين في معقلهم بعد هذا الفيديو؟!

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من الخلاف المذهبي الجوهري ما بين العلويين والشيعة، والذي يصل حدّ التكفير، في بعض الأحيان، خصوصا ما يتعلق منه بما يسمى "الغلو"، إلا أن النفوذ الإيراني في سوريا، استطاع أن يخفي ملامح هذا الاختلاف الجوهري، إنما لصالح الدعاية الإيرانية الطائفية، ليبدو العلويون، وتحديدا في معقلهم في الساحل السوري، مجرد أتباع للحرس الثوري الإيراني، خصوصا بعدما أرسلوا أبناءهم ليتلقوا التعليم المذهبي التحريضي، والذي تتولاه في محافظة اللاذقية مدارس ما يعرف بـ"الرسول الأعظم" والتي بدأت تنتشر في قلب القرى العلوية الصافية من مثل "عين شقاق" وكثير من قرى جبلة.

وتطور النفوذ الإيراني في محافظة اللاذقية، التي تعد معقل العلويين الأساسي في سوريا، بخاصة عندما بدأت إيران بتجنيد الميليشيات الطائفية من أبناء المنطقة، وتقديم التدريب العسكري والتحريضي لهم، بعد أشهر من قيام الثورة السورية على نظام الأسد. فأسست ميليشيات "أسود الحسين" التي يتزعمها قريب للأسد ويدعى حسين الأسد. وكذلك ميليشيات "صقور الصحراء" التي يتزعمها العميد محمد جابر، والذي أعلن منذ فترة، وفي شكل رسمي، بأنه من أمةٍ "علوية الهوى وحسينية البقاء وجعفرية النهج ومهدوية الولاء". وكذلك ترتبط كل الميليشيات التي تتوزع تحت عنوان "الدفاع الوطني" في اللاذقية بصفة خاصة، بضباط إيرانيين ينتمون إلى الحرس الثوري الإيراني.

إلا أن الدور المناط بمدارس وثانويات "الرسول الأعظم" في اللاذقية، من قِبل القادة الإيرانيين، أكبر بكثير من الدور المعطى للميليشيات الطائفية المسلحة التي تقاتل السوريين دفاعاً عن الأسد وإمرارا للمشروع الإيراني في المنطقة. لأن هذه الثانويات تخرج أجيالا نشأت على التحريض الطائفي المقيت، خصوصا أن رئيس مجمع الرسول الأعظم في اللاذقية، ويدعى الدكتور أيمن زيتون، هو من خريجي قم الإيرانية، وسبق له أن ولّي إدارة إحدى الجامعات الدينية الإيرانية. وهو ينحدر في الأصل، من مدينة "الفوعة" في إدلب.

ويظهر فيديو نشر منذ يومين على صفحة مدارس الرسول الأعظم على يوتيوب، تم تصويره بتاريخ 19 من الشهر الماضي وقالت صفحة المجمع الفيسبوكية إنه أقيم في حرمه باللاذقية، الطريقة التي استولت بها إيران على المجتمع اللاذقاني، مسقط رأس الأسد ومعقل الطائفة العلوية منذ زمن بعيد. ففي هذا الفيديو يظهر تجنيد وحشد أطفال المدارس عبر ما يعرف بـ"كشافة الولاء" عبر إطلاق الشعارات التحريضية المذهبية التي تتناقض أصلا مع أساسيات عقائدية في المذهب العلوي، والتي حددها صاحب المذهب أبو عبدالله الحسين بن حمدان الخصيبي، في كتابه "الراسباشية" ومنها قضية مقتل الحسين، حيث لا يعترف المذهب بقتله أصلا ويعتبرها حادثة رمزية مقلوبة الدلالة! أي ما يراه التشيع، ومعهم أهل السنة والجماعة، قتلاً، يراه المذهب العلوي "تشريفاً".

ولا أدل على ذلك إلا ما رسمه الخصيبي شعرا في هذا المجال يحدد فيه موقفه بالضبط، إلا أن "العربية.نت" يمتنع عن نشر شعره لما يتضمّنه من تعابير ودلالات إشكالية كبيرة. لكن، ولأسباب عقائدية صرفة، منها أن الحسين، علويا، لم يُقتَل، بل "شُرِّف" بالغياب. و"التشريف" في العقيدة العلوية، مسألة مرتبطة رأسيا بالتجلّي، وهي قضية يطول شرحها في عجالة التقرير الصحافي. وما ينطبق على الحسين، في المذهب العلوي، ينطبق على مقتل الخليفة علي بن أبي طالب، أيضاً، وبالضبط.

واللافت في هذا السياق، نجاح إيران باستمالة أجيال كاملة من العلويين، في تلك المدارس، على الرغم مما يحمله هؤلاء التلاميذ من عقيدة مضادة للتشيع الإيراني. وأصبح كثير من العلويين يعتبرون رموز القتل مثالا لهم، من مثل قاسم سليماني ومرشد الثورة خامنئي وسواهما. مع العلم أن المذهب العلوي يخلو من التحريض كثقافة وتوجيه، بسبب أن المذهب العلوي تأسس باعتباره رؤية باطنية للعالم، تتعامل بمنطق ترميزي خالٍ من أي محتوى سياسي، وهو مذهب خالٍ، بالكامل، من أي رؤية منهجية للإدارة أو الحكم أو السلطة. على النقيض من منطق ملالي إيران، الذي أسبغ المحتوى السياسي على النشاط الديني، فتحول إلى آلة ضخ مذهبية تحريضية نرى مفاعيلها الآن في سوريا، وفي أكثر من منطقة فيها. إلا أن الأثر الضارب لتلك الثقافة الإيرانية يظهر بجلاء ووضوح في معقل العلويين على الساحل السوري، حيث بدأ أهل تلك المناطق بالتحول، شيئا فشيئا، إلى عناصر تعمل على تحقيق ما كان يسمى "تصدير الثورة" الإيرانية. إلى الدرجة التي سبق وحذر فيها ناشطون ينحدرون من الطائفة العلوية، من التغلغل الإيراني، منذ سنوات. ولعل الفيديوهات التي يصورها وينشرها "جامع الرسول الأعظم في اللاذقية" خير دليل على تغير نوعي عنيف ألم بالطائفة العلوية، جعلها في قبضة ملالي إيران، خصوصا وهم يشتركون في "كشافة الولاء" مرددين للشعار المذهبي والعبارات التي من شأنها إحداث الفُرقة بين السوريين، في الوقت الذي قال فيه شاعرهم الأوحد، الشاعر الكبير بدوي الجبل وهو ابن أحد أكبر مشائخ الطائفة العلوية على الإطلاق الشيخ سليمان الأحمد، في بيت شعري له: "يِنتُ مروانَ اصطفاها ربُّها، لا يشاء اللهُ إلا ما تشاءُ". أي لا يقدّر لها إلا ما تتمنّاه بالتوسل والرجاء.