عاجل

البث المباشر

خريطة جيفري.. ورقة أميركا الملغومة للعب مع أنقرة بسوريا

المصدر: العربية.نت

تتواصل الترتيبات بشأن بحث عملية انسحاب القوات الأميركية من سوريا، حيث من المقرر أن يلتقي المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، اليوم الثلاثاء في العاصمة التركية أنقرة، ونائب وزير الخارجية التركي إلى جانب عدد من المسؤولين العسكريين الأتراك لبحث عملية انسحاب القوات الأميركية من سوريا، وتطبيق خارطة الطريق المتعلقة بمنطقة منبج شمال محافظة حلب.

تتواكب زيارة جيفري مع تزايد الحالة التشاؤمية من أن الجانب التركي سيلتزم بالوفاء بما تم الاتفاق عليه خلال المكالمة الهاتفية الشهيرة بين الرئيس دونالد ترمب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فحسبما جاء في التحقيق البحثي المشترك لأيكان إردمير، عضو سابق في البرلمان التركي وكبير زملاء في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات FDD وزميلته ميرفي طاهر أوغلو، محللة أبحاث في FDD، في موقع"War on the Rocks"، منصة إلكترونية تُعنى بعرض آراء الخبراء في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي، قام ترمب بعد مرور 5 أعوام بإزالة أكبر عائق أمام تحسين العلاقات الأميركية-التركية، وعلى الرغم من ذلك لا تظهر أي بوادر حسن نوايا من الجانب التركي أو تعديل لمسارات سياساته الداخلية أو الخارجية.

سوء نوايا تركي

ففي مكالمة هاتفية في ديسمبر 2018، عرض الرئيس الأميركي على نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، مكسبًا سياسيًا ساحقًا عندما قرر سحب القوات الأميركية من سوريا، قائلاً له: "أتعرف ماذا؟ إنها لك. لقد تركت". ثم كلف ترمب تركيا بإنهاء تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، على أمل أن يكون ذلك كافياً لإصلاح العلاقات مع أنقرة. إن هذه الكلمات كان يجب أن تكون موسيقى لأذني أردوغان. لقد تراجعت العلاقات الثنائية بين الحليفين منذ عام 2014، عندما شاركت واشنطن مع قوات من الأكراد السوريين منظمة تحت راية وحدات حماية الشعب YPG في محاربة تنظيم داعش بسوريا. وتعتبر أنقرة YPG منظمة إرهابية وناشدت واشنطن مراراً وتكراراً إسقاط المجموعة وبدلاً من ذلك تفويض واشنطن لتركيا لمكافحة الإرهاب. وعلى الهاتف في ذلك اليوم من شهر ديسمبر، أطلع ترمب أخيرا أردوغان على عرضه.

نقض العهد بسرعة البرق

ولكن لم يمضِ وقت طويل قبل أن يجدد أردوغان تعهده بمهاجمة القوات الكردية السورية في الأراضي، التي تسيطر عليها الولايات المتحدة في شمال شرقي سوريا. ثم انتقدت أنقرة وزير الخارجية مايك بومبيو، ونقضت اجتماعا مع مستشار الأمن القومي جون بولتون. ونقل ترمب الخلاف إلى منصة تويتر، مهددًا "بتدمير تركيا اقتصاديًا إذا ضربت الأكراد".

زيادة حدة الخلاف حول الأكراد

إذن لماذا التوترات المستمرة؟ في حين يعتبر قرار ترمب بالانسحاب من سوريا على نطاق واسع انتصارا لأردوغان، فإن الخطوة لم تسفر حتى الآن إلا عن القليل لتقويض الضيق التركي من الولايات المتحدة. في الواقع، لقد زاد ذلك من حدة الخلاف الأساسي حول مستقبل الأكراد الذي أدى إلى توتر العلاقات الثنائية لسنوات. تريد واشنطن ضمان عدم قيام أنقرة بملاحقة الأكراد السوريين الذين يقاتلون تنظيم داعش، في حين يظل القضاء على القوة السياسية والعسكرية لـ YPG أولوية قصوى لتركيا.

وطالما استمرت أنقرة وواشنطن لديهما مصالح متضاربة في سوريا، فإن استرجاع تركيا مرة أخرى سيستغرق أكثر من مجرد الخروج السريع من المشهد.

ويعرف أردوغان كيف يتكلم بطلاوة مع ترمب على نحو مطرد لإجلاء القوات الأميركية التي تقف في طريق خططه الخاصة بسوريا وأكرادها. وقد كتب مؤخرًا مقالة شاعرية حلوة في صحيفة نيويورك تايمز، وتعهد ليس فقط بالسيطرة على تنظيم داعش، ولكن أيضًا بتنفيذ "استراتيجية شاملة للقضاء على الأسباب الجذرية للراديكالية". وبالنسبة لكل التعهدات، يكاد يكون من المؤكد أن الرئيس التركي سيخيب توقعات الولايات المتحدة.

وعود وهمية

لا تملك حكومة أردوغان القدرة ولا الإرادة على الوفاء بوعوده. ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، فقد طلب المسؤولون الأتراك من الولايات المتحدة "دعمًا عسكريًا كبيرًا، بما في ذلك ضربات جوية وعمليات نقل وخدمات لوجستية"، الأمر الذي من شأنه أن يعمق بشكل فعال التورط العسكري الأميركي في سوريا. وفي الواقع، لا يبدو أن أردوغان يحظى بدعم كامل من جيشه لمثل هذه المهمة: ففي 31 ديسمبر، قام بتخفيض رتب اثنين من كبار الجنرالات الأتراك الذين اعترضوا على سياسته تجاه سوريا.

والأهم من ذلك، أنه في الوقت الذي نفذ فيه تنظيم داعش الإرهابي العديد من الهجمات المروعة في تركيا - بما في ذلك أكثر الهجمات دموية على الإطلاق على الأراضي التركية - لم تتعامل الحكومة التركية مع داعش على أنه تهديد كبير. كانت أنقرة بطيئة في التراجع عن سياساتها الحدودية المتراخية، التي سمحت للمتطرفين بالانتشار في شمال سوريا من عام 2012 إلى عام 2014، وكان من الأمور المكروهة السماح لقوات التحالف، التي تقودها الولايات المتحدة بالوصول إلى قاعدة إنجرليك الجوية التابعة لها، في إطار عمليات مكافحة الإرهاب.

هل سيذبح الأكراد؟

وعلى العكس، فمنذ البداية، كان القلق الأساسي الذي شغل بال أنقرة هو وضع الأكراد السوريين، الذين يشتركون في حدود مع المناطق ذات الأغلبية الكردية في تركيا. ومنذ عام 2016، نفذت تركيا عمليتين عسكريتين ضد YPG، التي تستثير غضب أنقرة بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهي في نظر تركيا مجموعة إرهابية تقود تمردا ضد الدولة التركية منذ الثمانينيات.

في الواقع، جاء قرار ترمب بسحب القوات وسط الخطط العسكرية التركية لشن هجوم بري ثالث على شمال شرقي سوريا، والذي صمم أيضًا على استهداف قوات YPG.

في الوقت الذي تبدو فيه هذه الخطة ملائمة في الوقت الحالي، من غير المرجح أن يتوقف أردوغان عن تهديد YPG، خاصة بعد خروج الجنود الأميركيين من المنطقة. وفي 4 يناير، أبرز وزير الخارجية مايك بومبيو "أهمية التأكد من أن الأتراك لن يذبحوا الأكراد"، مما أثار غضب أنقرة.

خريطة تقاسم السلطات

بعد 3 أيام، وصل بولتون إلى تركيا، وانضم إليه رئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد والمبعوث الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، في إطار مساعٍ للتوصل إلى تسوية مؤقتة بين أنقرة وشركاء واشنطن في سوريا تضمن التعايش السلمي. وبحسب ما ورد أحضر جيفري "خريطة مشفرة" بالألوان للمناطق التي تأمل فيها الولايات المتحدة في إبرام اتفاقية لتقاسم السلطة في سوريا.

"درع جيفري الإرهابي"

وبالنظر إلى خوف تركيا الطويل الأمد من الحكم الذاتي الكردي في سوريا وأماكن أخرى، فقد واجه الثلاثي رد فعل قويا من أنقرة. حتى قبل أن يتجاهل أردوغان المسؤولين، غطت وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة هذه الزيارة بعناوين مثيرة. اتهمت صحيفة "ستار" المؤيدة لأردوغان، على سبيل المثال، الولايات المتحدة "بحماية الإرهابيين"، في إشارة إلى خريطة جيفري "كدرع إرهابي" لحماية YPG. ونشرت الصحيفة اليومية للإسلاميين "يني شفق" صورة للمسؤولين الثلاثة وتصدرت عنوان "من تظنون أنفسكم؟!".

ماكغورك عدو أنقرة المرعب

وفي الواقع، لقد جاءت الهجمات الأكثر جدية ضد جيفري. المبعوث الخاص، والذي كان سفيرا سابقا لدى تركيا، وهو معروف بتعاطفه مع الموقف التركي من سوريا. ومن ثم، فإن وسائل الإعلام التركية لم توفر له هذا النوع من الخطابات التي تستخدم ضد مسؤولين مثل بريت ماكغورك، الذي كان حتى عهد قريب مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى حملة الحلفاء ضد تنظيم داعش. كان ماكغورك هو وجه الشراكة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا، ومن ثم، فإنه كان يعتبر بمثابة عدو مخيف لأنقرة. وكانت وسائل الإعلام الرسمية في تركيا قد أطلقت عليه مؤخراً اسم "لورانس العرب" الجديد، في إشارة إلى الجاسوس البريطاني الذي أذكى الثورات العربية ضد العثمانيين إبان الحرب العالمية الأولى.

"سايكس-بيكو" المعاصرة

منذ استقالة ماكغورك مؤخراً، تسلم جيفري الملفات، ويبدو أنه مستعد لتلقي قذائف لهب الغضب التركي. ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤول أميركي سابق يصف خريطة جيفري بأنها "سايكس-بيكو مبالغ فيها"، في إشارة إلى الخطط البريطانية-الفرنسية السرية لتفكيك الإمبراطورية العثمانية. ويبدو أن هذا الاقتباس قد أسعد محرري وسائل الإعلام الإسلامية في تركيا، واستخدموها في العناوين الرئيسية بشكل متواصل -مع صورة جيفري في صدر الصفحات.

تحالف استراتيجي وعداء إيديولوجي

قد يرقى تفاؤل ترمب بشأن إصلاح العلاقات الأميركية التركية مع انسحابه السوري إلى نفس الهدف، الذي كان يرحب به جيفري لفترة قصيرة، وبإبعاد بولتون عن أنقرة. ويتعين عليه بدلاً من السعي إلى حل سريع وتقديم تحولات جذرية في السياسة عبر الهاتف أن يضع مساعديه على مائدة مفاوضات مع الجانب التركي، وسيكون من الأفضل للرئيس الالتزام بمقاربة تدريجية تستفيد من خبرة فريق الأمن القومي ونظرائهم الأتراك.

خارطة الطريق

وتوجد بالفعل خارطة طريق لسوريا مع أنقرة، وهي جهد طويل وبطيء ومؤلم للتفاوض على اتفاق مؤقت بين شركاء تركيا الأكراد والسوريين في منبج. يمكن للولايات المتحدة تكرار نموذج مماثل في الأراضي السورية التي يسيطر عليها الأكراد إلى الشرق من نهر الفرات. ولكن في غياب استراتيجية سورية أوسع نطاقاً، فإن محاولة الموازنة بين المصالح المتعارضة للحلفاء المعادين أيديولوجياً لن تكون كافية.

شراكة براغماتية

إن علاقة واشنطن مع YPG الكردية تعطيها نفوذاً تاريخياً على تركيا وPKK، وتضعها بشكل فريد كمحكم بين حليفها في الناتو وشريك السلاح في الحرب ضد تنظيم داعش. ويمكن أن تشجع الولايات المتحدة الجانبين على العودة إلى طاولة المفاوضات لإحياء عملية السلام الكردية، التي خرجت عن مسارها في عام 2015، وفي إطار هذه العملية، يمكن المساعدة على تطبيع علاقة تركيا مع YPG في شمال سوريا أيضًا. لقد أثبتت الشراكة القصيرة الأمد والبراغماتية بين هذين الخصمين خلال عملية السلام الكردية أنها قادرة على تحقيق الانتصارات ضد تنظيم داعش. على الرغم من أن إنعاش هذه العلاقة لن يكون بالمهمة السهلة، فمن المؤكد أن نقدم حلًا أكثر قابلية للحياة واستدامة للمشكلة في الوقت الحالي، أكثر من خروج الولايات المتحدة المتسرع من النزاع.

لا حل بالهاتف ولا تويتر

ربما لا يكون للوتيرة الحكيمة المتمثلة في إزالة التباين وبناء الثقة والمصالحة صدى جيدًا مع عدم انتظام سياسة ترمب. ولكن كما يحذر أي شخص على دراية بالشرق الأوسط، فإن السعي إلى حل سريع عبر مكالمة هاتفية أو من خلال تغريده على تويتر، لن ينهي الأمر بشكل جيد لأي من الأطراف المعنية.

إعلانات