عاجل

البث المباشر

كواليس قرار ترمب بالتراجع عن سحب قواته من سوريا

المصدر: واشنطن – بيير غانم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبصراحة هذه المرة أنه سيبقي لحين 200 جندي أميركي في منطقة شمال شرقي سوريا وعدداً مماثلاً في منطقة التنف، وهذا تراجع واضح عن موقفه السابق بسحب كل القوات.

لم يتحدّث الرئيس ترمب عن أسباب تراجعه عن قراره السابق حين تحدّث إلى الصحافيين أمام البيت الأبيض، لكن الذين تابعوا المفاوضات بين الرئيس من جهة، وطاقمه السياسي والعسكري والأمني من جهة أخرى، بالإضافة إلى الوفود الأجنبية وتحدّثوا إلى "العربية.نت" رسموا صورة واضحة لمسار التفاوض بين ترمب والأميركيين وتركيا والأوروبيين من جهة أخرى.

مشكلة تركيا

فقد سيطر الخوف على أجهزة الأمن الأميركية من عودة تسرّب اللاجئين والإرهابيين إلى أوروبا، وربما إلى الولايات المتحدة في حال انهارت الأوضاع في منطقة سيطرة الأكراد، وتسرّب عناصر داعش من هذه المناطق إلى الحدود التركية، ومن تركيا إلى العالم حيث يقومون بعمليات انتحارية ولسنوات طويلة.

تعود مخاوف أجهزة الأمن الأميركية إلى تجربة سيئة مع تركيا، التي امتنعت لأكثر من سنتين عن إقفال حدودها مع سوريا بوجه المتطوعين المنضمين إلى تنظيم داعش، وكانوا يستعملون المطارات التركية للمجيء إلى سوريا.

التجربة السيئة الثانية كانت السماح لآلاف اللاجئين السوريين بترك السواحل التركية إلى الجزر اليونانية، ومنها إلى أوروبا، وخشي الأوروبيون والأميركيون في حينه من تسرّب عناصر إرهابية بين اللاجئين، ولم يروا أن تركيا فعلت الضروري لوقف هذا التدفق ومنع هذا الخطر إلى أن فرضت اتفاقية على الأوروبيين ونالت مساعدات مقابل وقف الخطر الأمني.

بين تركيا والأكراد والنفط

وجدت الإدارة الأميركية نفسها وتحدّث مساعدو الرئيس الأميركي إليه عن مأزق الاختيار بين تركيا والأكراد، ولم يجد الأميركيون حلولاً جيّدة مع أنقرة.

الحكومة التركية تريد من جهة التعامل مع كل الأكراد على أنهم إرهابيون، ولا تريد تركيا أي عناصر كردية على حدودها، وكان هناك تيار في الإدارة الأميركية يعتبر أن تركيا حليف استراتيجي وعضو في حلف شمال الأطلسي، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تخسر هذا الحليف.

من جهة أخرى، بدا الأكراد على استعداد للقفز إلى أحضان النظام السوري ردّاً على تخلّي الأميركيين عنهم، وهذا يعني أن منطقة ضخمة من سوريا حرّرها الأكراد بدعم من الأميركيين سيتمّ تسليمها لنظام بشار الأسد، وستدخل معه قوات إيرانية وميليشيات تابعة لها وينتشرون شمالاً، ويسيطرون على الحدود العراقية السورية، وبالتالي تنفتح الأبواب مشرّعة للإيرانيين من حدودهم إلى العراق إلى سوريا ولبنان ومن دون أي عائق.

إلى ذلك، آبار النفط السورية موجودة شرق الفرات في منطقة سيطرة الأكراد، والأميركيون يضيّقون على النظام السوري وعلى إيران بالعقوبات، وفي اللحظة التي يسيطر فيها النظام السوري على هذه الآبار، ستسقط كل العقوبات الأميركية على النظام وسيرتفع عبء الدعم المالي عن النظام الإيراني الذي يدعم النظام السوري.

إيران

يعتبر من تابعوا المفاوضات بين أجنحة الإدارة الأميركية والرئيس ترمب وتحدّثوا إلى "العربية.نت"، أن السبب الرئيسي لتراجع الرئيس ترمب عن فكرة الانسحاب هو إيران، وقد قال له مساعدوه إنه انتقد الرئيس السابق باراك أوباما، لأنه استعجل سحب القوات الأميركية من العراق العام 2011 وتسبب ذلك بتمدّد الإيرانيين في العراق، خصوصاً مع ظهور داعش، وعليه أن لا يرتكب خطأ أوباما في سوريا في العام 2019.

السبب الثاني في تراجع الرئيس الأميركي هو اقتناعه بأن الوجود الأميركي وإن كان ضئيلاً سيضمن مراقبة واضحة للطريق السريع بين بغداد ودمشق وتريد إيران استعماله لنقل الأسلحة والرجال من طهران إلى بيروت من دون عائق، وستتمكن القوات الأميركية والحليفة من ضرب أي قافلة أو شحنة تشكّ في أنها تنقل أسلحة إيرانية إلى حزب الله وميليشيات إيران الأخرى في سوريا ولبنان.

التفاصيل مع الحلفاء

يبقى على الأميركيين أن ينجزوا بنود بقائهم في سوريا مع قوات حليفة في منطقة التنف وشمال شرقي سوريا وهذا ما يفاوضون عليه مع الفرنسيين والبريطانيين وقد أعلنت كل من باريس ولندن أنها لن تبقي قوات في سوريا لو انسحب الأميركيون.

إلى ذلك، يعتبر الفرنسيون والبريطانيون أن انتشار الجنود الأميركيين يحتّم على واشنطن إعطاءهم الغطاء الجوي الأميركي، وهذا سيردع روسيا والنظام السوري من جهة وتركيا من جهة من شنّ أي هجوم على منطقة الانتشار هذه. فالاتراك لن يجرؤوا على ضرب الأكراد فيما الطائرات الحربية الأميركية تنتشر في المجال الجوي فوق سيطرة الأكراد ومعهم أميركيون وفرنسيون وبريطانيون، كما أن الروس والسوريين والميليشيات الموالية لن يجرؤوا على التقدّم إلى هذه المناطق ما دام الأميركيون فيها ويضمنون حمايتها.

يعتبر الأميركيون أيضاً أن الفرنسيين والبريطانيين ما زالوا مترددين في علاقاتهم مع إيران، بسبب الاتفاق النووي ولم يوافقوا تماماً على الاستراتيجية الأميركية لمواجهة إيران ويريدون تحاشي أي مواجهة مع الميليشيات الإيرانية، ومن الأفضل للأميركيين البقاء على الأرض.

لكل هذه الأسباب اقتنع الرئيس الأميركي بإبقاء الجنود الأميركيين في سوريا وسيتمسك بالبقاء أكثر كلما رأى فائدة ويعود إلى نغمة الانسحاب رأى أن الفائدة غير ملموسة.

إعلانات