يهود سوريا.. روايات كسرت "محرّمات" السياسة

نشر في: آخر تحديث:

مع صدور رواية أخرى جديدة، هذا العام، عن يهود سوريين، وهي رواية (قيامة البتول الأخيرة) للروائي السوري زياد حمامي، تكون الشخصية اليهودية السورية قد تم تناولها، مجدداً، في إطار محوري، خاصة وأن رواية حمامي، تناولت تلك الشخصية، على خلفية الحرب السورية المستمرة منذ عام 2011.

وتحضر الشخصية اليهودية السورية، في أعمال روائية متعددة، حتى صار بالإمكان الحديث، عن "يهود دمشق" و"يهود حلب" بالرواية السورية، وبالتخصيص، تبعاً لما ذكره الروائي السوري نبيل سليمان الذي سبق وحضرت في أعماله الشخصية اليهودية، كما في رواية (مدارات الشرق) ورواية (مجاز العشق).

دمشق وحلب، مدينتان محوريتان، في تاريخ سوريا المعاصر والقديم، ويشار إليهما، عادة، بعاصمتي البلاد، وعندما يشار إلى اليهود في العاصمتين هاتين، فهذا يعني حضور اليهود في أهم البؤر الحضارية والتاريخية والاجتماعية في البلاد. وأفرد نبيل سليمان، في مقالين اثنين، في صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية لما أطلق عليه (يهود حلب في ثلاث روايات سورية) بتاريخ 14 كانون الأول/يناير من العام الجاري، و(يهود دمشق في ثلاث روايات) بتاريخ 11 شباط/ فبراير 2019.

اتهامات وطعن بنيّة كتّاب!

وحضرت الشخصية اليهودية، في عملين روائيين متتاليين، للشاعر والروائي السوري المعارض والمقيم في ألمانيا، إبراهيم الجبين، الأولى (يوميات يهودي من دمشق) وصدرت عام 2007، ومنعت السلطات السورية تداولها، والثانية (عين الشرق) وصدرت عام 2016.

وتناول الشخصية اليهودية في عمل أدبي، سوري بصفة خاصة، محاط بنوع من الريبة من جهة سلطات النظام، وكذلك عادة ما يتم نقاشها على خلفيات غير منبثقة من المعالجة النقدية الخالصة، في الوسط الثقافي، وقال الكاتب إبراهيم الجبين لـ"العربية.نت" إن روايته (يوميات يهودي من دمشق) كانت تباع سرّاً على الأرصفة، إلا أن أحد "المثقفين" الذين لم يسمّهم، قام بتهديد البائع بأنه "سيبلّغ السلطات" عنه، إن لم يتوقف عن بيعها.

وعادة ما يكون حضور الشخصية اليهودية في الرواية، وعلى خلفية الصراع العربي الإسرائيلي، مثار جدل ينصب في بعض الأحيان، حول سبب "استحضار" تلك الشخصية وملابسات التركيز عليها باعتبارها تقود مباشرة إلى تاريخ الحروب بين الدولة العبرية ودول عربية مختلفة، في السابق.

ومن بين تلك الاتهامات التي تم توجيهها لبعض الكتاب الذين حضرت الشخصية اليهودية في رواياتهم، كما قال الروائي الجبين لـ"العربية.نت" اتهام الروائي بالسعي إلى العالمية عبر الترجمة، معتبراً هذا الاتهام من قبيل "الظنون" وأنه اتهام يتعمّد "النيل من نزاهة تلك الأعمال الروائية العربية" مؤكداً أنه لم يلمس لدى الكتّاب السوريين الذين تناولوا اليهود في أعمالهم، أي توجّه يبرر تلك الاتهامات التي يوجهها إليهم "بعض نمطيي التفكير" كما قال.

ويتم حضور الشخصية اليهودية، في الرواية السورية، كجزء من المجتمع السوري ذاته، حاملة صفات ذلك المجتمع الذي يغلب عليه التنوع الديني والقومي، إلا أن الصراع العربي الإسرائيلي، ظل ممسكاً بمفاتيح الإضاءة التي يمكن أن تسلّط على اليهودي، ولهذا فإن الكتابة عنه، هي من قبيل "المحرّمات" التي أفرزها المجتمع بعدما تعرّض لعملية "غسل دماغ" بحسب تعبير الجبين في حواره لـ"العربية.نت".

يهودي سوري عادي جداً!

ويقول الجبين إنه لمّا تناول الشخصية اليهودية في روايته (يوميات يهودي من دمشق) فقد كان يتعامل مع "يهودي عادي، ويفكّر ويتكلّم ويحلّل ويخطئ ويصيب" أي مثله مثل أي سوري آخر، إلا أنه بمجرد أن يكون سوريا يهودياً، فسيخرج البعض ويتحدث بمنطق سلطات النظام الذي "يتّهم الكتّاب بالرغبة بالانتشار والبحث عن الجوائز والترجمة" بحسب الجبين الذي أضاف: "ربما كان علينا أن نتساءل معا، ما هي أسباب غياب الشخصية اليهودية عن الرواية السورية طويلاً، والعربية".

ويوضح الجبين أن من أسباب حضور الشخصية اليهودية في روايات سورية، يعود إلى "رغبة الروائيين بتصوّر مجتمع سوري طبيعي، فلماذا لا يعيدون تركيبه من جديد دون ممحاة السلطات التي شوَّهت هنا، وقَصقصت هناك، وحرمت هذا وأعطت لذاك".

ورئيساً لتحرير أول صحيفة قومية عربية

قضية التعامل مع الشخصية اليهودية، تصبح محورية إذا ما كانت على أساس "اختبار الذات" كما يوضح الجبين، فالموقف من اليهود العرب هو "اختبار للذات يختزل كل الاختبارات تجاه الآخر" وكذلك هو "كسرٌ صارمٌ لكل الرواسب" التي علقت في أذهان البعض. مؤكداً أن السوري لم يكن طائفياً بطبيعته ولا عنصرياً، من هنا –يكمل- فحضور اليهودي في الرواية السورية، جزء من التعامل معه كسوري، في المقام الأول، قبل النظر إلى موضوع الدِّين، متحدثاً عن اليهودي السوري إلياهو ساسون الذي وصفه بـ"الدمشقي القومي العربي" قائلاً إنه "أول رئيس تحرير صحيفة قومية عربية تنطق باسم أول دولة مستقلة عن العثمانيين". لكنه يشير في الوقت نفسه، إلى مجموعة من التداخلات الاستعمارية والسياسية التي أدت في النهاية، إلى مغادرة ساسون سوريا، وذهابه إلى إسرائيل، ثم تحوله هناك إلى "شخصية صهيونية متطرفة".

الاستثمار في الكراهية

أمّا لماذا كان الحديث عن الشخصية اليهودية، من المحرّمات، في المجتمع السوري، فيرجعه الجبين إلى مجموعة من العوامل أدت لخلق سلطات وأحزاب سياسية "تستثمر" في العداء والكراهية، مانحاً الدور الأكبر في تلك "المحرمات" إلى أنظمة استبدادية عربية اضطهدت شعوبها، أصلا، على خلفية تلقين ثقافة كراهية الآخر، حتى لو كان أخاً أو قريباً، لذلك فإن رسالته من روايته "يوميات يهودي من دمشق" هي أن السوريين جميعاً "يعانون تحت القبضة الحديدية" لأنظمة الاستبداد. وهو أمرٌ التقطه رياض نعسان آغا، الوزير السوري السابق الذي انشق عن نظام الأسد، وكتب دراسة مطولة عن (عين الشرق) نشرتها صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر عام 2016 وقال في مقدمتها: "وتطل عين إبراهيم (الجبين) على محطات تاريخ دمشق، من اللحظة الدموية الراهنة، وهي تراقب تحوّل السوريين إلى يهود جدد". في واحدة من أقسى أوصاف ما حصل للسوريين بعيد حرب النظام السوري عليهم منذ عام 2011، وتهجير الملايين منهم حتى ولكأنهم اكتسبوا تلك الصفة "سوريو الشتات!".

ويشار إلى أن الروايات السورية التي كانت الشخصية اليهودية محورية، فيها، معروفة لدى القارئ السوري بصفة خاصة، والعربي أيضاً. كرواية (حمام النسوان) للكاتب فيصل خرتش، ورواية (لعنة الكاديموم) للكاتبة ابتسام التريسي، ورواية (خمارة جبرا) للكاتب نبيل الملحم، ورواية (قصر شمعايا) للكاتب علي الكردي، وروايات أخرى عديدة.