لجنة دستور سوريا.. مرونة من المعارضة والنظام يقدم "مفاجأة"

نشر في: آخر تحديث:

رغم غياب الحضور الدولي عن جلسة الافتتاح لمفاوضات اللجنة الدستورية السورية، فقد كان واضحاً حجم الضغوط الدولية على وفدي المعارضة والنظام، لتحقيق شيء ما. فهي المرة الأولى التي تنجح الأمم المتحدة بجمع الطرفين في مفاوضات مباشرة منذ أن بدأت وساطتها في يونيو 2012 في محاولة لإنهاء الحرب السورية.

ولم يتردد المبعوث الأممي، غير بيدرسون، وهو الرابع الذي يعين في المنصب، في التشديد والتكرار على "تاريخية" هذه اللحظة، وهو جالس يتحدث وإلى جانبيه رئيسا وفد المعارضة هادي البحرة والنظام أحمد الكزبري.

ورغم أن الرجلين غادرا من دون أن يتصافحا، فإن الكلمتين اللتين ألقياهما حملتا بعض بوادر الأمل. فالبحرة قال إن وفد المعارضة موجود للبحث عن "نقاط التلاقي" هذه المرة وليس الخلاف "بعد 8 سنوات مؤلمة". أما الكزبري فقد فاجأ المعارضة عندما أبدى انفتاحا على كتابة دستور جديد لسوريا، وهو مطلب المعارضة، بعد أن كان وزير خارجية النظام وليد المعلم قد تحدث عن أن تعديل "بضعة مواد في الدستور سيكون كافيا لاعتبار أن الدستور جديد".

مفاجأة النظام

ووصفت مصادر في وفد المعارضة لـ"العربية" هذا الاعلان بأنه كان "مفاجئاً". ورغم التشكيك بأنها قد تكون محاولة من النظام لإبداء حسن نية بهدف المماطلة، فإن المصادر في المعارضة أشارت إلى "حجم الضغوط الكبيرة" الممارسة على دمشق لإبداء جدية في المفاوضات.

وتعتبر المعارضة أن دستور سوريا الحالي يعاني من مشاكل كثيرة، ولا يمكن إدخال التعديلات عليه. وتقول مصادر في المعارضة إنه سيتعين كتابة دستور جديد يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية المطلقة، بحسب الدستور الحالي، وأيضا يفصل بين السلطات الثلاث، أي التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يسمح بمحاسبة الرئيس، وهو أمر مستحيل حالياً كونه رئيس مجلس القضاء الأعلى. كما أن الرئيس بحسب الدستور هو الذي يقترح التشريعات وليس مجلس الوزراء الذي لا يتمتع بأية صلاحيات تذكر.

دستور العام 2012

والدستور المعمول به حاليا في سوريا هو دستور العام 2012 وهو تعديل لدستور العام 1973 الذي كان يذكر في مادته الثامنة التي أزيلت في الدستور الجديد بأن "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية". ولكن رغم إزالة هذه المادة على إثر الثورة التي بدأت في سوريا عام 2011، فإن الكثير من النبود، بحسب المعارضة، ما زالت إشكالية خاصة تلك المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية.

وستكشف الأيام القادمة ما إذا كان وفد النظام جاد فعلاً بما أبداه من استعداد ببحث كتابة دستور جديد، خاصة أنه تجاهل حتى الآن الدعوات المتكررة لبيدرسون بإطلاق سراح عشرات آلاف المعتقلين السياسييين والكشف عن مصير المخفيين قصريا، في "بادرة حسن نية وجدية في بحث الدستور الجديد" بحس بالمبعوث الأممي.

وتطمح الأمم المتحدة والمعارضة للانتهاء من مناقشة الدستور قبل الانتخابات الرئاسية المقبل في العام 2021، على أمل أن تتم الانتخابات المقبلة بحسب الدستور الجديد. إلا أن ما يزيد أيضا من التشكيك في إمكانية الانتهاء من هذه المفاوضات قبل ذلك التاريخ، واقع أن تشكيل هذه اللجنة استغرق قرابة العامين. فقد تم الاتفاق عليها بعد اجتماع سوتشي التي استضافته روسيا مطلع العام 2018، على أن يتم تحت مظلة الأمم المتحدة. واستغرق الاتفاق على أسماء اللجنة الـ150 عاماً كاملاً وعشرة أشهر.

الوفد "الحيادي"

وقدم النظام 50 اسما فيما قدمت المعارضة 50 آخرين، واختارت الأمم المتحدة 50 آخرين من المجتمع المدني والخبراء. وطوال هذه الأشهر، كان النظام يحاول التطويل بقدر المستطاع من خلال طلب الاطلاع على أسماء الوفد "الحيادي" ونقض أو قبول الأسماء المطروحة. وفي النهاية اختير 29 اسما من أشخاص مقيمين في سوريا، نقلوا إلى جنيف بطائرة روسية أقلتهم من دمشق، فيما اختير الآخرون من خبراء سوريين مقيمون في الخارج. واللافت في وفد المجتمع المدني أن معظم أعضائه لم يكونوا على معرفة ببعضهم قبل بدء العمل في اللجنة. وهم ليس لديهم رؤية موحدة حول شكل الدستور الجديد أو المعدل، ولم يكونوا حتى قد اختاروا الأعضاء الـ15 الذين سيمثلونهم في اللجنة المصغرة التي تضم 15 من كل طرف، للتناقش حول الدستور.

ومع هذا، يبدو الإجماع الدولي هذه المرة حاضرا بقوة وللمرة الأولى للدفع باتجاه تحقيق نتيجة. فقد حرص الأميركيون على تأكيد دعمهم لعمل اللجنة وتحدث نائب مساعد المبعوث الأميركي إلى سوريا للصحافيين قبل انطلاق المفاوضات، مشجعاً على إيجاد حل. فيما توجه وزراء خارجية الدول الثلاثة الضامنة لاتفاقية أستانا، روسيا وتركيا وإيران، إلى جنيف لبضعة ساعات ليلا للقاء بيدرسون وعقدوا بعدها مؤتمراً صحافياً تلوا فيه بيانا مشتركا يدعو للاتفاق. كما أن أعضاء اللجنة المصغرة التي تضم الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى الأردن والسعودية، سيلتقون بيدرسون بعد أيام في جنيف في دعم واضح للمحادثات.

فبعد 8 سنوات على بدء الأمم المتحدة وساطتها، واستقالة المبعوث الأول كوفي عنان وإعلانه أن إيجاد حل لسوريا "مهمة مستحيلة"، بسبب غياب التوافق الدولي، يبدو أخيرا أن هذا التوافق حل. فهل يوصل السوريين إلى نتيجة حقا؟