شبابنا العاطل واقتصاديات الشتاء والربيع

عبد العزيز الغدير

نشر في: آخر تحديث:
أبو مشاري تقاعد من وزارة التربية براتب لا يكفي متطلبات أسرته خصوصا أن أبناءه أصبحوا في سن المراهقة وزادت مصاريفهم فما بالك وعليه قروض تحملها لاستكمال بناء منزل العمر وشراء سيارة يتنقل بها وأسرته. يقول أبو مشاري إنه بعد عدة أشهر بدأ يعاني معاناة شديدة من الفقر وضيق ذات اليد الأمر الذي جعله يفكر في الاقتراض من الأصدقاء والأقارب لسد احتياجات أسرته إلا أنه تراجع عن ذلك لمعرفته أن لا قدرة له على سداد الديون الاستهلاكية ما سيزيد الطين بلة.

يقول أبو مشاري وانطلاقا من فكرة الاقتراض فكرت في الاقتراض بهدف الاستثمار رغم أنني موظف حكومة لا أتقن أي عمل استثماري خاص الأمر الذي جعلني أسأل هنا وهناك عن الفرص الاستثمارية البسيطة في البلاد والتي تتطلب جهدا بشريا ووقتا وصبرا أكثر من فكر استثماري مهني محترف فدلني الأصدقاء على منطقة الخوبة، حيث تتوافر منتجات كثيرة يمكن شراؤها بأسعار زهيدة وبيعها في مناطق أخرى بهامش ربح جيد، فاقترضت مبلغا من أحد الأقارب وذهبت واشتريت الكثير من المنتجات من سوق الخوبة ومنها عدة غزلان وجئت بها وبعت البضاعة ووجدت ربحاً في بعضها خصوصا بالنسبة للغزلان والبن وربحاً بسيطا في البعض الآخر فركزت في المرة الثانية على الأكثر ربحاً ما جعلني أكون رأس مال خاصا بي بعد أن سددت المال الذي اقترضته.

يضيف أنه بعد عدة شهور أصبح الكثير من الزبائن من عدة مناطق في المملكة يطلبون الغزلان والبن وبعض المنتجات وهكذا حتى كونت رأس مال كبيرا وانتقلت إضافة إلى هذه التجارة للمضاربة في السوق العقارية التي حققت فيها أرباحا كبيرة وما زلت أعمل فيها واليوم بفضل الله لدي المال الوفير والتجارة الرائجة حتى أنني أمضي كل صيف في ربوع أوروبا أنا وأسرتي فضلا عما حققته من سعة في العيش لي ولأسرتي.

وأقول، أبو مشاري واجه مشكلته بكل رجولة وعزيمة وصبر وإصرار دون شكوى لأحد ولم يستسلم لهذا التحدي ويخضع ويلعن الظروف ويطالب الغير بمعالجة مشكلته فكان أن أعانه الله بعد أن توكل عليه للخروج من أزمته، وهو ينصح اليوم كل من يراه يعاني كمعاناته بأن ينتقل من خانة الشكوى والتذمر والإحباط إلى خانة التفكير في البدائل الكثيرة والمتعددة للخروج من هذه الأزمة بالاعتماد على الله ونفسه قدر الإمكان، مؤكدا أن ثروة الصحة والوقت والعلاقات والجهد ثروة كبيرة يكمن استثمارها في البدايات لتحقيق رأس مال جيد للانطلاق منه شيئاً فشيئاً نحو استثمار كبير.

مثل أبو مشاري كثيرون ولدي من قصص الشباب النشط الذين يستثمرون الفرص الاستثمارية المتاحة التي لا تتطلب سوى الفكر والجهد والوقت والعزيمة والإصرار والصبر، ولا شك أن موسمي الشتاء والربيع يتيحان الكثير من الفرص الاستثمارية الصغيرة للشباب الذي يعانون من البطالة ومن ضيق ذات اليد ويتمتعون بالصحة والعافية والقوة ووفرة الوقت وهي في غالبها فرص تتطلب رأس مال بسيط يمكن تنميته بشكل كبير في أوقات محدودة، وعلى الشباب التفكير بجدية في هذه الفرص والعمل الجاد على استثمارها للخروج من دائرة الضيق المالي إلى دائرة الوفرة المالية.

نعم فأحد من أعرف أصبح من كبار تجار الأغنام بالتواصل الدائم من مربي الأغنام ومع أسواقها حيث عمل كوسيط لبيع الأغنام بعد أن بدأ بداية صغيرة ونال ثقة مربي الأغنام بقدرته على التسويق والسداد حتى كون رأس مال كبيرا مكنه من تربية الأغنام والإبل وفرز الأصناف المميزة منها وتهجينها وتوليد أجيال ذات صفات وراثية جمالية وتسويقها محليا وخليجيا، وبطبيعة الحال انتقل بعد ذلك للسوق العقارية التي دعمت وضعه المالي فأصبح في وضع مالي مميز.

عائلة كاملة في شمال المملكة تعتبر موسم الشتاء موسم الثراء حيث تعمل في مجال تأجير الخيام وبيع معدات وأدوات التخييم والمكشات من خلال سيارات متنقلة وفي حال توافر الفقع يقومون بجمعه وتسويقه بشكل جماعي ومنظم ما وفر لهم الكثير من المال الذي استثمروه فيما بعد في تأسيس محال متخصصة في الرحلات البرية.

في أم رقيبة الفرص الاستثمارية متاحة للجميع واللجنة المنظمة تساعد الشباب السعوديين على ذلك، ويذكر لي أحد الأصدقاء من منطقة الدوادمي أنه ذهب للتنزه في مهرجان أم رقيبة فوجد أحد معارفه من شباب منطقته وهو يبيع الأغنام بكل همة ونشاط وذكاء للمتنزهين وعند سؤاله عن حجم الفائدة قال له إنه يبيع كميات كبيرة يوميا وبأسعار جيدة وبهوامش ربح مجزية وأنه ينتظر المهرجان سنويا بفارغ الصبر.

بفضل الله مساحة المملكة العربية السعودية الجغرافية كبيرة وأماكن التنزه في موسمي الشتاء والصيف متعددة ويمكن لجميع الشباب العاطل التفكير الجاد في الاستفادة منها خصوصا أن الكل يشجعهم بدءا من الجهات المنظمة إلى المستهلكين من المواطنين الذين يشجعون البائع السعودي على حساب الوافد متى ما رأوا منه همة وأمانة وإخلاصا في العمل، وأعتقد أن معظمهم لديهم أسر مستعدة لدعمهم برأس مال بسيط للانطلاق منه.

ختاما أقول أيها الشباب العاطل عن العمل فكروا بجدية في الاستفادة المثلى من الفرص الاستثمارية التي تنشأ في جميع مناطق المملكة في موسمي الشتاء والربيع واستثمار قدراتكم وطاقاتكم وصحتكم والأوقات المتاحة لكم للانطلاق في عالم الأعمال والتجارة فمعظم التجار الذين تعرفون ابتدأوا صغاراً في الاستثمار الأمثل للفرص المتاحة وشبابهم وطاقاتهم وأوقاتهم وبالعمل والصبر والعزيمة والإصرار أصبحوا رجال أعمال كبارا ولكم في الشيخ سليمان الراجحي وغيره أمثلة محفزة حية ومتعددة.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.