هل بريطانيا جادة في تغيير سلوك مصارفها السيئ؟

زياد محمد الغامدي

نشر في: آخر تحديث:
في رأيي الشخصي لا. بل حتى إن كثيرا من الاستقالات التي أعلنت مع تفجر الفضائح على هذه المصارف لم تكن سوى استقالات (وهمية) لذر الرماد في العيون. فمنذ إعلان ماركوس أجيوس رئيس مجلس إدارة باركليز استقالته، ما زال يمارس مهام (أخرى) لم يفصح المصرف عن طبيعتها, وحتى السيد ديفيد ووكر الذي سيخلفه في المنصب لم يتكلم عن طبيعة الأزمة الأخلاقية التي يعانيها مصرفه المتهم في قضايا تآمر وتلاعب للتأثير في أسعار اللايبور, والمتهم في قضايا دفع رشوات وإفساد ذمم وغيرها الكثير. فحتى هذه اللحظة لا هم له سوى عمولات المبيعات وعدم توافقها مع المخاطر الطويلة الأجل. ومما يدل على عدم الجدية في تغيير السلوك المنحرف والفاسد لهذا البنك التسريبات التي نشرت مؤخرا في الصحف البريطانية، ومفادها بأن رئيس مجلس إدارة باركليز المستقيل قد يعود للعمل (كمستشار). وهذه المعلومة أن صحت (وسيتم حسمها مطلع العام المقبل), ستكون بمثابة التأكيد على أن هذه المصارف لا يرتجى منها سوى الكوارث المالية والاختراقات السياسية.

ولم تكن تبالغ أبدا عضوة الكونجرس الأمريكي عن نيويورك السيدة كارولاين مالوني حين قالت "يبدو أن كل عملية مصرفية كارثية تحدث في لندن", فالعقلية الملتوية للقائمين على الشؤون الاقتصادية والسياسية في بريطانيا لا ترى أي ضير في أحداث الأزمات، ومن ثم التغطية عليها طالما كان ذلك سيحقق مصلحة موجودة في أذهان هؤلاء السياسيين والاقتصاديين. وحتى رئيس الالتزام السابق في إتش إس بي سي, ديفيد باجلي, إنما استقال ليتسلم منصبا آخر في المصرف ذاته. أما المصرف البريطاني ستاندرد تشارترد, الذي وصفه بنجامين لوسكاي رئيس إدارة الخدمات المالية في نيويورك, بالمارق والمدفوع بالجشع, فلم يقيل أو يستقيل منه أحد، وذلك على الرغم من تورطه في التغطية على عمليات مالية إيرانية تقدر بـ 250 مليار دولار.

ومن رفعة أخلاق وحسن سلوك السيد ماركوس رئيس مجلس إدارة مصرف باركليز السابق, إصراره على تعيين رئيس تنفيذي تحوم حوله شبهات, على الرغم من تحذير الرئيس التنفيذي لسلطة المال البريطاني له من هذا التعيين؛ نظرا للسلوك المريب لهذا الرجل, حيث سبق أن فصل من وظيفته السابقة كرئيس تنفيذي لإحدى شركات الطيران. ولكن يبدو أن هذه الشخصية تتطابق مع طبيعة المهام التي كان السيد ماركوسيريد أن يوكلها إليه. وفي نهاية المطاف باركليز البريطاني متورط في أكبر فضيحة في تاريخ المصارف, التآمر للتأثير في أسعار الفائدة بين البنوك في لندن (اللايبور), وهذه الفضيحة تضرب وتنسف نظرية أن أسعار الفائدة تحدد من قبل قوى العرض والطلب بمعزل عن أي تأثير آخر.

وفي رأيي الشخصي أيضا, ليس من قبيل الصدف أن يترقى رئيس مجلس إدارة إتش إس بي سي السابق ليصبح وزيرا (حاليا) لشؤون التجارة والاستثمار في بريطانيا, أنه اللورد ستيفن جرين. ولمن لا يعلم, ففي أثناء فترة رئاسته لمجلس إدارة إتش إس بي سي, صدرت التحذيرات من السلطات المكسيكية لنظيرتها الأمريكية, بشأن تورط المصرف في غسيل أموال تجار المخدرات في المكسيك. كما أنه ليس من قبيل الصدف أبدا أن يكون رئيس مجلس إدارة باركليز السابق, عضوا غير تنفيذي (حالي) في مجلس إدارة البي بي سي الموقرة. فالمال والسياسة والإعلام ليست سوى أقنعة للدول وسلوكها وأهدافها. أما الاستقالة من رئاسة مجلس إدارة مصرف باركليز للعودة إليه كمستشار (إن صحت المعلومات) فليس سوى عمل تهريجي بهلواني سخيف ومثير للاشمئزاز.

إن سلوك المصارف البريطانية العدواني والإجرامي والمارق والسيئ التي تضرر منها العالم بأسره يجب أن ينتهي. وعلى كافة الدول المتضررة أن تمارس سيادتها وتحذو حذو السلطات الأمريكية التي فرضت الغرامات الطائلة, والتي هددت بسحب الرخصة إذا لم تلتزم وتحترم هذه المصارف قوانينها. وأكاد أجزم أن أي دولة مهما صغرت أو كبرت ستكون في وضع أحسن بدون هذه المصارف البريطانية التي تستخف بعقول الناس، والتي تستغبي المشرعين والسلطات بطريقة فجة لا يقبلها أحد.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.