التجار وسياط رفع الأسعار

سلمان الدوسري

سلمان الدوسري

نشر في: آخر تحديث:
لا صوت يعلو بين رجال الأعمال والتجار، فوق صوت الاعتراض على قرار وزارة العمل برفع تكلفة العمالة الوافدة، ومع أني سجلت، هنا، موقفي من القرار وتحفظي على الآلية وعدم العدالة للشركات الواقعة في النطاق الأخضر بمعاقبتها بدلا من مكافأتها، إلا أنني لا أخفي مفاجأتي من المبالغة في ردة الفعل بين المتضررين، وهو ما يفقدهم مصداقيتهم في أي قرارات مستقبلية مشابهة، فردة الفعل المنطقية غالبا ما تؤازر صاحبها، ومتى ما اعتمدت على الإثارة والفوضوية فإنها ترتد عليه وبالاً.

ربما يتفق الجميع على أن قطاع المقاولات أكثر المتضررين من رسوم المائتي ريال شهرياً، والأسباب معروفة ولا تحتاج إلى تكرار، غير أن دخول آخرين على خط الشكاوى العجيبة والتهديد برفع الأسعار بنسب غير معقولة، ولن أقول مجنونة، أسقط في يد التجار وقلل من تعاطف المجتمع معهم ضد وزارة العمل، فبالأرقام، وكما أشار دكتورنا محمد السقا في مقاله أمس في "الاقتصادية"، فليس متوقعاً أن تتجاوز نسبة الزيادة في الأسعار نتيجة فرض الرسوم 0.9 في المائة في أول سنة لفرضها، فيما أسرّ لي عدد من رجال الأعمال والمستثمرين أن التكلفة عليهم لا تتجاوز 0.5 في المائة، في المقابل لاحظوا كيف تعاملت بعض الجهات مع القضية عندما وجدتها فرصة للتلويح برفع الأسعار وبشكل غير موضوعي، فالغرفة التجارية في مكة المكرّمة قالت إن الأسعار ستزيد بنسبة 15 في المائة، و"سترتفع في بعض القطاعات إلى 35 في المائة"، في حين قال فهد الشريع نائب رئيس غرفة الشرقية إن "المستهلك هو الذي سيدفع تلك الرسوم"، هكذا، وعلى هذا الركب سار تجار عديدون عزفوا على هذه النغمة النشاز، وهي التهديد برفع الأسعار وتحميلها المستهلك طمعاً في حشد التأييد الشعبي ضد القرار.

تكوين الرقم القياسي للأسعار والوزن النسبي للسلع التجارية يفضح مبالغات أولئك التجار بالحديث عبر منطق الأسعار وحدها، أفهم أن يعترض المتضررون من سلبيات القرار، لكن ما لا أفهمه ولا أستطيع احترامه تحريض المستهلكين ليكونوا هم خط الدفاع الأول أمام متخذ القرارات بمعزوفة انتهت صلاحيتها وأصبحت مملة، بل إنني هنا أحرّض التجار على رفع الأسعار، للسلع غير الأساسية، فالقاعدة الاقتصادية التي يعرفونها هم قبل غيرهم، تؤكد أن أي رفع للأسعار يتخذه التاجر سيرتد عليه سلباً بتحول المستهلكين بموجبه للسلع المنافسة الأخرى، خاصة في ظل توافر البدائل والخيارات الكثيرة للسلع.

وبعيدا عن تأثيرات القرار المحدودة جدا في أغلب القطاعات، فإن كل مراقب للسياسة التسعيرية في السعودية يعلم أن رفع الأسعار يخضع للمنافسة الحرة، ما عدا السلع الأساسية أو تلك التي يثبت فيها الاحتكار، بمعنى أنه مَن يمنع التجار أصلاً من زيادة أسعار سلعهم وبضائعهم حتى من دون هذا القرار؟ وبصراحة عندما يريد التجار رفع الأسعار بلا مبرر يفعلونه دون العزف على نغمة المستهلك، فهل استأذنت شركات المقاولات أو النقل أو غيرها أحداً وهي ترفع أسعارها طوال سنوات مضت بقرار فردي من صاحب الشركة؟ متى برّر أحد منهم رفع الأسعار لهذه السلعة أو تلك؟ للتجار حقوقهم التي لا يصادرها أحد، غير أنهم يفقدون هذا الحق متى ما حادوا عن المنطق، وآثروا استخدام لغة لا تشبههم ولا تناسبهم بتاتاً.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.