عاجل

البث المباشر

فهد بن عبد الله الحويماني

<p>عضو جمعية الاقتصاد السعودية</p>

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

المؤشر العقاري وغياب المعلومات العقارية

مضت سنوات عدة على قيام وزارة العدل بنشر ما يسمى ''المؤشر العقاري''، إلا أنه بقي كما هو دون تطوير، حتى الآن لا يوجد مؤشر عقاري حقيقي في المملكة، ولا سيما أن المملكة تمر بنقلة تقنية كبيرة وتتمتع بواحد من أكبر الاقتصادات في العالم، يمثل القطاع العقاري والنشاطات المرتبطة به جزءا مهماً من الناتج الإجمالي المحلي. كما أن القطاع العقاري يمر بتطورات مهمة، منها إنشاء وزارة الإسكان ونظام التمويل العقاري، وما تردد أخيرا من مطالبة بإنشاء هيئة عليا للعقار، إلى جانب أهمية القطاع ككل للمستثمرين من أفراد وشركات، ما يجعل الحاجة ماسة جداً إلى إيجاد قواعد معلومات متنوعة عن القطاع، بما في ذلك المؤشرات الرئيسية المهمة. وهنا تجنبت مجبرا طرح أي أرقام بخصوص حجم القطاع ونشاطه، نظراً لغياب البيانات الرسمية الممكن الاعتماد عليها، وما هو متوافر مجرد تقديرات متعددة ومتضاربة من مصادر غير متخصصة شبه حكومية وحكومية وتجارية.

بداية تجدر الإشادة بجهود وزارة العدل في الارتقاء بالعمل الإلكتروني في الوزارة، خصوصاً في كتابات العدل وما يصدر عنها من بيانات حول نشاط البيع والشراء في مدن عدة في المملكة، من خلال ''المؤشر العقاري'' الأسبوعي الذي ينشر على موقع الوزارة الإلكتروني. قد يكون الاسم الحقيقي والمناسب لهذا التقرير هو ''النشرة الأسبوعية للصفقات العقارية''، كونه عبارة عن رصدٍ لعدد الصفقات العقارية التي تمت خلال الأسبوع ومساحة العقار وسعر الصفقة وتصنيفها بين تجاري وسكني. أما المؤشر العقاري المطلوب فيجب أن يكون رقماً معيناً له سنة أساس معينة تثبت عند 100 أو 1000، ويستفاد منه في إيجاد رصد تاريخي لحركة السوق العقارية. وبالنسبة للمعلومات العقارية فهي تشمل عددا من المعلومات المهمة، سأعطي أمثلة لها من واقع تجربة السوق العقارية الأمريكية، بحكم كونها أكبر سوق عقارية في العالم، ولديها عدد من المؤسسات المختصة بمتابعتها ورصد نشاطها بشكل دقيق، ويتوافر عنها بيانات منذ ما لا يقل عن 50 عاماً.

قبل الدخول في طبيعة المعلومات والمؤشرات العقارية المرجوة، أشير إلى أن الهدف من إيجادها يشمل أمورا عديدة منها رفع مستوى الشفافية في تسعير الأراضي والممتلكات، وضوح الرؤية للمستثمرين ومتخذي القرار، دعم المؤسسات الاقتصادية والمالية بالمعلومات اللازمة لإعداد الخطط الاستراتيجية الاقتصادية، دعم مؤسسات التمويل والتثمين العقاري، تحديد نسب التضخم، واستقراء المسارات المستقبلية للقطاع ككل.

يشرف على القطاع العقاري الأمريكي عدد من الجهات، منها مكتب التعداد الأمريكي التابع لوزارة التجارة، الذي يقوم بنشر بيانات شهرية وسنوية عن المنازل الجديدة من حيث تاريخ البناء وإنهائه وتاريخ البيع وسعره، إلى جانب عدد من خصائص المنازل التي تم بيعها مثل المساحة ونوع التصميم وعدد الغرف وعدد دورات المياه ونوع التكييف المستخدم والمادة المستخدمة لتغطية الجدران الداخلية والخارجية، ونوعية الأساسات وعدد مواقف السيارات. ويشمل التقرير كذلك كيفية التمويل، إما بقرض وإما نقداً، وينشر سعر القدم المربعة، ومتوسط السعر وكذلك الوسيط الحسابي للسعر (يختلف المتوسط عن الوسيط)، وغيرها من البيانات المهمة. هذا فيما يخص المنازل الجديدة، إلا أن هناك كذلك رصدا لمبيعات المنازل القائمة تقوم بنشره الجمعية الوطنية للعقاريين، ويختلف عن مبيعات المنازل الجديدة وله دلالات مختلفة.

كذلك هناك معلومات مهمة وتتابع من قبل المستثمرين كافة، ليس فقط مستثمرو القطاع العقاري، وهي عدد تراخيص البناء المصدرة، حيث نجد على سبيل المثال أنها أخذت في التصاعد بشكل كبير في التسعينيات إلى أن تجاوزت مليوني ترخيص في عام 2005، ثم بدأت بالنزول بعد أزمة الرهن العقاري، إلى أن بلغت أقل من 600 ألف ترخيص في عام 2009، والآن هي في حدود 680 ألف ترخيص حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2012. وهناك إحصائية مرتبطة بتراخيص البناء وتنشر بشكل مستقل، وهي عدد التراخيص الابتدائية للبناء، التي تُمنح للسماح ببدء البناء، من إعداد المخططات والحفر وخلافه، وتأتي قبل الحصول على ترخيص البناء، وفائدتها أنها تعطي دلالات مبكرة لعدد المنازل التي سيتم بناؤها. كما أن المعلومات العقارية تشمل كذلك حجم التكاليف الشهرية على البناء مثل التكاليف الإنشائية على العقارات الجديدة والقائمة، من تكاليف الأيدي العاملة والتكاليف الهندسية وتكاليف المواد وتكاليف الفوائد التمويلية وأرباح المقاولين. على سبيل المثال، بلغت التكاليف الإنشائية لتشرين الأول (أكتوبر) الماضي نحو 870 مليار دولار.

وقد يتبادر إلى الذهن تساؤل عن كيفية الحصول على هذه البيانات المهولة، وعن مدى قدرة الجهات المشرفة على القطاع في المملكة على القيام بذلك! وعلى الرغم من أنها بالفعل عملية ضخمة وتحتاج إلى جهود كبيرة، إلا أنها تعتمد بشكل كبير على أخذ العينات وليس المسح الشامل. على سبيل المثال، هناك نموذج من صفحتين تتم تعبئته من قبل عينة مدروسة من أصحاب المنازل التي تحت الإنشاء، يشمل أسئلة قصيرة حول تاريخ الحصول على الترخيص الابتدائي وبداية الحفر، المساحة ونوع التصميم، المادة الرئيسة المستخدمة في البناء، إلى جانب عدد الغرف ونوع التكييف، ثم يسأل صاحب المنزل عن التكلفة التقديرية والسعر النهائي المتوقع. أما أسعار مبيعات المنازل القائمة، فتقوم بها الجمعية الوطنية للعقاريين، وتتم من خلال المنظمات العقارية التابعة للمناطق، التي يبلغ عددها نحو 700 منظمة، وهي في حد ذاتها تعتبر عينة من إجمالي المبيعات، حيث إن هذه العينة، بحسب الجمعية، تمثل ما بين 30 و40 في المائة من إجمالي المبيعات.

أخيراً كخطوة مبدئية، أعتقد أن ''المؤشر العقاري'' الصادر عن كتابات العدل يمكن أن يطور بحيث يحتوي على رصد لسعر المتر المربع لكل من العقارات السكنية والتجارية، وهذه تتم بسهولة من خلال البيانات الموجودة حالياً، بقسمة إجمالي المبيعات لكل حي على المساحة المباعة ونشرها كمؤشر بسيط لسعر المتر المربع. أما تراخيص البناء فهذه موجودة لدى البلديات ويمكن جمعها ونشر عددها كرقم إحصائي شهري. عدا ذلك فأعتقد أن على وزارة الإسكان الإسراع في إنشاء المركز الوطني لبحوث ودراسات الإسكان، الذي وضعته الوزارة من ضمن البرامج ذات الأولوية للاستراتيجية الوطنية للإسكان، ليتولى تقديم معلومات مكثفة عن سوق المنازل الجديدة والقائمة وحركة البيع والشراء فيها. كما أن على مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات تطوير النشرات التي تصدرها ذات العلاقة بالقطاع العقاري، مثل التعداد العام للسكان والمساكن، الذي يحتوي على معلومات عن عدد المنازل، وتعداد آخر يمكن أن يستفاد منه يخص المنشآت بشكل عام، تعود آخر إحصائية له إلى عام 2003!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة